
يشيع بين الطلاب أن النحو من أعسر العلوم، حتى أصبح اسمه مقترنًا بالمشقة والتعقيد. غير أن هذا التصور لا يقوم على حقيقة العلم، وإنما ينشأ غالبًا من طريقة تدريسه أو من البدء فيه بغير منهج صحيح. أما إذا نظرنا إلى النحو في أصوله وجدناه من أكثر العلوم تنظيمًا، وأقربها إلى الفهم، وأقلها أبوابًا بالنسبة إلى ما يحققه من إتقان للغة.
والنحو ليس علمًا يقوم على كثرة الحفظ، وإنما يقوم على فهم القواعد الكلية، ثم تطبيقها على الكلام. فالمتعلم لا يحتاج إلى حفظ آلاف المسائل، وإنما يحتاج إلى معرفة أبواب الإعراب، ثم ردِّ كل تركيب إليها. ولهذا كان الأئمة يعتنون بضبط الأصول، ويجعلون الفروع تابعة لها.
ومن أوضح الأدلة على يسر النحو أن أبواب الإعراب نفسها معدودة ومحصورة. فقد لخص الإمام محمد بن محمد بن داود الصنهاجي، المشهور بـابن آجروم (ت 723هـ)، أصول النحو في متن الآجرومية، وهو أشهر متن تعليمي في النحو، فذكر أن المجرورات ثلاثة، والمرفوعات سبعة، والمنصوبات خمسة عشر، ثم فصل أفراد كل باب.
فالمجرورات ثلاثة:
- المجرور بالحرف.
- المضاف إليه.
- التابع للمجرور.
والمرفوعات سبعة:
- الفاعل.
- نائب الفاعل.
- المبتدأ.
- الخبر.
- اسم كان وأخواتها.
- خبر إن وأخواتها.
- التابع للمرفوع.
والمنصوبات خمسة عشر:
- المفعول به.
- المصدر.
- ظرف الزمان.
- ظرف المكان.
- الحال.
- التمييز.
- المستثنى.
- اسم لا النافية للجنس.
- المنادى.
- المفعول لأجله.
- المفعول معه.
- خبر كان وأخواتها.
- اسم إن وأخواتها.
- التابع للمنصوب.
- المنصوب بنزع الخافض.
وهذه الأعداد تدل على أن أصول النحو ليست كثيرة، وأن الطالب إذا أحاط بهذه الأبواب، وفهم أحكامها، وأتقن علامات الإعراب، فقد ملك مفاتيح هذا العلم. وما يبقى بعد ذلك إنما هو كثرة القراءة والتدريب حتى تصير القواعد سليقةً وملكة.
ولذلك فإن الصعوبة التي يشكو منها بعض الدارسين ليست في كثرة النحو، وإنما في ضعف المران عليه، أو في تقديم الفروع قبل الأصول، أو في الاقتصار على الحفظ دون الفهم. أما إذا سلك الطالب طريق الأئمة، فبدأ بالأصول، ثم أكثر من التطبيق، وجد أن النحو علم منظم، واضح القواعد، يسير المسالك.
وليس من قبيل المصادفة أن يظل متن الآجرومية، على وجازته، أساسًا لتعليم النحو في العالم الإسلامي طوال قرون؛ إذ دل ذلك على أن هذا العلم يمكن اختصار أصوله في صفحات قليلة، ثم يبنى عليها ما بعدها من التفصيل.
ولهذا يمكن أن يقال بحق: إن النحو من أسهل الفنون لمن سلك سبيله الصحيح؛ لأنه يقوم على الفهم أكثر من الحفظ، ولأن أصوله محصورة، وأبوابه معدودة، والإعراب كله يدور على ثلاثة للمجرورات، وسبعة للمرفوعات، وخمسة عشر للمنصوبات، كما قرره ابن آجروم في متن الآجرومية، وهو من أشهر متون النحو وأدقها في عرض أصول هذا العلم.
تنبيه علمي:
في آخر باب المنصوبات، تختلف عبارات الشراح؛ فبعضهم يذكر المنصوب بنزع الخافض ضمن الخمسة عشر، وآخرون يعبرون عنه بعبارة مختلفة تبعًا لشرح الآجرومية. لذا فإن نسبة الأعداد (3، 7، 15) إلى الآجرومية صحيحة، أما تفصيل أفراد المنصوبات فقد تختلف ألفاظه قليلًا بين الشروح



