
عندما كنت أدرس، كان أستاذ اللغة العربية يعطينا قصيدة لنحفظها استعدادًا للحصة المقبلة، وكنت واثقًا من نفسي تمامًا، فلا أحفظ القصيدة إلا قبل الحصة بسبع أو ثماني دقائق، فأتناول الكتاب وأمرّ بنظري على أبياتها أربع أو خمس دقائق، فإذا بها قد انطبعت في ذاكرتي تمامًا.
أما اليوم، فكأن وباءً قد أصابنا جميعًا -وأنا أتحدث عن نفسي وكأنني أسمعكم تقولون: لست وحدك، فكلنا ذلك الإنسان- وهو ما يسمى بالنسيان.
وحينما أجلس في مركازنا، “مركاز الأحبة الثقافي”، أجد نفسي أبهت أمام هذا الكم الهائل من النسيان. وأنا لم أعتد أن أقرأ قصيدة من الجوال أو من ورقة؛ لأنني أشعر أنني سأفقد تألقي وانطلاقي التي أحبها الناس مني.
فهل هناك علاج يعيد لنا تلك الأيام الخوالي؟ أم أن الكِبر قد أصاب أجسادنا، ثم مرّ على الذاكرة فمسّ منها ما يجعلنا نتوقف ونفكر أننا فعلًا قد كبرنا؟ ومهما ذهبنا إلى العطار نبحث عن دواء لهذا النسيان، فإننا نكون كالعجوز التي تمنت أن يصلح العطار ما أفسده الدهر، وقد قال الشاعر:
عجوزٌ تمنّت أن تكون صبيّةً
وقد نحل الجنبان واحدودب الظهر
فسارت إلى العطار تبغي شبابها
فهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
أم هي ضغوط الحياة وما نمر به من مشكلات؟ أم أن هناك أمورًا أخرى؟ أم أنها اجتمعت كلها فألفت هذا النسيان؟
وأخشى أن نكون قد أصابنا ما أصاب تلك العجوز.
قد لا يهتم الإنسان بكثرة النسيان إذا كان لا يقف أمام الجمهور، أما في حالتي فأجد هذا الأمر محرجًا جدًا؛ إذ أقف لألقي خطابًا أو قصيدة، فإذا بي أبهت وأقع في حرج لا يعلم مداه إلا الله. ينتظرك الناس لتلقي بيانك، وهم لا يعلمون مقدار الإحراج الذي تعيشه حتى تتمنى ألا تظهر مرة أخرى.
والنسيان أنواع؛ فمنه ما يأتي فجأة، وأنت واثق أنك إذا وقفت جرى البيان على لسانك، ينساب كما ينساب ماء النهر، فيسقي ما مرّ به من نبات وورود وأزاهير، وما يرده من طيور وهوام.
وهناك نسيان متعمد، وهو الذي يأتي عن طريق الكِبر والتعالي، كما قال الشاعر إيليا أبو ماضي:
نسي الطينُ ساعةً أنه طينٌ حقيرٌ
فصال تيهًا وعربد
وكسا الخزُّ جسمَه فتَباهى
وحوى المالُ كيسَه فتمرّد
وهذا النسيان ليس محمودًا البتة، لأنه يدخل في دائرة العيب والذم.
أما النسيان الذي يأتي على هيئة مرض، ومعظمنا ذلك الإنسان، فأنا أعاني كثيرًا من هذا النوع. سألت أحد الأصدقاء: ألا تعرف دواءً يعالج هذا النسيان؟ فأجابني: إذا وجدت الدواء فأخبرني، فأنا أعاني مما تعاني.
فهل أصبح معظمنا يعاني منه؟
وفي الحقيقة، فكرت في الأمر كثيرًا، فوجدت أن هذه التقنية التي بين أيدينا، وهذه الحواسيب والذكاء الاصطناعي، قد ساهمت كثيرًا في هذا الأمر.
أعطيكم الدليل: كنا في الماضي نحفظ جدول الضرب، ونحسب بأذهاننا دون تدخل الآلة الحاسبة. بل إن من يُضبط ومعه آلة حاسبة في الاختبارات كان يُشهّر به وكأنه ارتكب كبيرة من الكبائر! وانظروا إلى حالنا اليوم.
وطبعًا هناك نسيان محمود، كأن تنسى زلات الأصدقاء، أو بالأحرى تتناساها؛ لكي تسير الأمور بطبيعتها، وأن تنسى الإساءة وأنت في موضع حجة، وتستطيع أن ترد الإساءة بمثلها، لكنك تسمو بنفسك وأنت في موضع قوة؛ لأن أخلاقك وقيمك ومبادئك تمنعك من ذلك.
وكذلك نسيان الأحزان؛ فإن الإنسان إذا فقد عزيزًا عليه، يلبث ما يلبث ثم تخف أحزانه شيئًا فشيئًا، لتستمر الحياة. وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، ومن النسيان الذي أودعه في فطرتهم.
فسبحان الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا نسيان، أما نحن البشر فقد خُلقنا على هذه الطبيعة، ولا بد أن ننسى، وهكذا جبلنا الله سبحانه وتعالى.
فلقد نسي سيدنا آدم عليه السلام:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
ونسي سيدنا موسى عليه السلام:
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.
ولولا النسيان ما شُرعت سجدتا السهو في الصلاة؛ فنحن ضعفاء مهما ادعينا.
نعم، ولا بد أن نسلم الأمر لله بعدما وصلنا إلى هذا العمر الذي تتضاءل فيه كثير من ملذات الحياة.
نعم…
حياةٌ ثم موتٌ ثم بعثٌ
وميزانٌ وأهوالٌ جسام
نسأل الله أن يختم أعمالنا بالصالحات، وألا يؤاخذنا بما ننسى من أمور ديننا ودنيانا، إنه سميع مجيب الدعوات.
إبراهيم يحيى أبو ليلى



