أخبار منوعةالرئيسية

” العيد الوطني النرويجي احتفاء بالهوية الوطنية والولاء للدستور “

الكاتب والإعلامي د. علي موسى الموسوي

في السابع عشر من مايو من كل عام تزدان سماء النرويج بالأعلام النرويجية معلنةً احتفال شعبها بعيدهم الوطني الذي لطالما مثل رمز السيادة الوطنية وذاكرة تاريخية تخلد أحد أعظم إنجازاتهم الوطنية ففي مثل هذا اليوم من عام 1814 خرج النرويجيون كباراً وصغاراً لاستقبال زمن جديد حازوا فيه على دستورهم الوطني بكل اعتزاز وهذا العيد لا يشبه سواه فهو ينبض بروح الشعب الواحد حيث ترتدي البلاد حلتها التقليدية عبر زيّ البوناد الذي يُمثل مزيجاً متناغماً من عراقة التراث وفخر الانتماء والألوان الزاهية والنقوش المتنوعة تعكس الموروث الثقافي لكل منطقة من مناطق النرويج لتتحول الشوارع إلى موشور من الفخر الوحدوي يبدأ الصباح بمواكب الأطفال الذين يملؤون الشوارع بحماسهم البريء وأغانيهم التي تهتز لها الأرواح والتلويح بالأعلام الوطنية يتناغم مع عزف الفرق الموسيقية للألحان العسكرية التي تضفي على الحدث يومًا مهيبًا واحتفاليًا في آن واحد ومن بين تلك المظاهر الفريدة تبرز احتفالات Russ feiring التي تواكب اللحظات الفاصلة بين مرحلتي الدراسة المدرسية والحياة المستقبلية ويجتمع الشباب الذين أنهوا دراستهم الثانوية في طقوس مميزة مستخدمين السيارات القديمة التي تُزيَّن بألوان غنية ورموز جريئة يستعرضونها في الشوارع وسط أجواء مفعمة بالحيوية هذه الاحتفالات لا تعتمد على دعم المؤسسات التعليمية بل يُنظمها الشباب بأنفسهم بتمويل ذاتي مما يبرز روح المسؤولية والاعتماد على الذات التي تتناغم مع قيم المجتمع النرويجي

ويشتهر هذا اليوم باسم يوم الأطفال حين تأخذ البراءة موقع الصدارة في المشهد الوطني المدارس والحدائق والميادين الكبرى تتحول إلى مسارح لاحتفالات تجمع الأجيال المختلفة في لحمة وطنية نادرة وفي أوسلو العاصمة التي تغلي شوارعها بحشود المواطنين والسيّاح تتردد الأغاني الوطنية بينما يتلو رؤساء الأحياء وأعضاء المجالس البلدية خطباً تحيي الروح الوطنية وتستلهم الإنجازات العظيمة التي حققتها النرويج منذ استقلالها

ولا يمكن الحديث عن العيد الوطني النرويجي دون التطرق إلى المعايير العالمية التي جعلت من هذه الدولة نموذجًا استثنائيًّا للرفاهية والتقدم فقد نجحت النرويج في تحقيق مزيج فريد بين العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي وبالرغم من الضرائب العالية التي تتراوح نسبتها بين 32% و52% فإن ريعها يتم توظيفه بشكل مثالي لخدمة المواطن التعليم مجاني وإجباري من سن الخامسة وحتى الخامسة عشرة والأمية لا وجود لها في سجلات البلاد أما النظام الصحي فهو متاح للجميع بالمجان مما يُترجم السياسة الحقيقية التي تسخّر موارد الدولة لرعاية مصالح المواطنين وقد فازت النرويج مراراً وتكراراً بمراكز الصدارة في تقارير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية وجودة الحياة وإنها ليست أغنى دولة في العالم بصافي الاحتياطات المادية، لكنها بلا شك أرقى دول العالم رفاهية وسعادة لشعبها يتميّز شعب النرويج بالفخر بوطنه الذي يعد مثالاً يُحتذى به في النزاهة والشفافية وإذ تخلو البلاد من حالات فساد مالي أو إداري لسنوات طويلة وفي مجمل هذا المشهد الاحتفالي الفريد لا تنصب المظاهر على البهرجة أو التباهي السياسي بل تحمل دعوة صادقة وواعية لتقدير الوطن كرابط يجمع الجميع تحت شعار تحيا النرويج إنه يوم يذكر العالم أجمع بأن التماسك الشعبي عندما يقترن بالنزاهة والعمل الجاد وحب الوطن قادر على بلوغ القمم وتحقيق نهضة تنعكس سعادةً وكرامةً تظهر جلياً في وجوه أبنائه خلال هذا العيد المميز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى