مقالات

اقرأ: رحلة البحث عن الذات في عوالم الورق خاطرة بمناسبة يوم الكتاب العالمي -بقلم : أ.د.عبد الحفيظ الندوي

منذ فجر التاريخ، كانت الكلمة هي الجسر الذي عبرت عليه الحضارات من غياهب النسيان إلى نور الخلود. ولم تكن القراءة يوماً مجرد مهارة لفك الرموز، بل كانت فعلاً وجودياً يحرر الإنسان من قيود الزمان والمكان. وفي الثالث والعشرين من أبريل من كل عام، يقف العالم إجلالاً لهذا الكائن الصامت—الكتاب—الذي يحمل بين طياته صخب التاريخ وهدوء الحكمة، في احتفالية أقرّتها “اليونسكو” عام 1995 لتكون يوماً عالمياً للكتاب وحقوق المؤلف.
​يعود اختيار هذا التاريخ تحديداً إلى رمزية أدبية عميقة؛ فهو اليوم الذي رحل فيه عمالقة أثروا الوجدان الإنساني بمداد أقلامهم، مثل “ويليام شكسبير” و”ميغيل دي سيرفانتس”. لكن بذور هذا الاحتفاء نبتت قبل ذلك بعقود في إقليم كتالونيا بإسبانيا، حيث اعتاد الناس تبادل الكتب والورود في تقليد رقيق يربط بين جمال الطبيعة ورقيّ الفكر. ومنذ ذلك الحين، تحول هذا اليوم من مجرد مناسبة محلية إلى تظاهرة عالمية تهدف إلى حماية حقوق المبدعين، وتعزيز شغف القراءة لدى الأجيال الصاعدة.
​إن القيمة الجوهرية للقراءة تتلخص في تلك العبارة البليغة: “لا تقرأ ليراك الآخرون، بل اقرأ لتنمو أنت”. في هذه الكلمات دعوة صريحة للتحرر من المظاهر، فالقراءة ليست استعراضاً معرفياً أو تكديساً للمعلومات للتباهي بها في المجالس، بل هي عملية بناء داخلي صامت. إنها الحوار الهادئ الذي يجريه المرء مع نفسه ومع عقول العظماء، بهدف صقل الشخصية وتوسيع مدارك الفهم. فالقارئ لا يكتفي بعيش حياة واحدة، بل يضيف إلى عمره أعمار الآخرين، وإلى تجاربه حكمة القرون.
​وفي ظل الثورة الرقمية وتسارع وتيرة الحياة، يكتسب الكتاب أهمية مضاعفة كونه الملاذ الأخير للتركيز والتأمل. إن العودة إلى الكتاب هي عودة إلى الجذور، واعترافٌ بأن المعرفة الحقيقية تتطلب صبراً وغوصاً في الأعماق، لا مجرد مرور عابر على العناوين. فالكتاب يمنحنا القدرة على نقد الواقع وإعادة تخيله، ويجعل منا أفراداً فاعلين قادرين على المساهمة في نهضة مجتمعاتنا.
يظل يوم الكتاب العالمي تذكيراً سنوياً بأن طريق التنوير يبدأ بكلمة “اقرأ”. هي دعوة لنبذ الجمود والجهل، ولفتح آفاق جديدة من التسامح وفهم الآخر. فليكن الكتاب رفيقنا الدائم، وليكن هدفنا من القراءة هو ذلك النمو الروحي الذي يجعل منا بشراً أفضل، وأكثر وعياً بجمال هذا الكون وتعقيداته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى