
مقدمة
ليست المشكلة في “عيد الأم” بوصفه حدثًا، بل في ما يكشفه هذا الحدث من تحوّلات عميقة في بنية الوعي الإنساني المعاصر.
فبينما يُفترض أن يكون هذا اليوم لحظة تكريم، تحوّل—في كثير من السياقات—إلى مساحة رمزية تعكس أزمة العلاقة بين القيم والسلوك، وبين الشعور الحقيقي وتمثلاته الاجتماعية.
الأم كقيمة مطلقة خارج الزمن
الأم في الوعي الإنساني ليست علاقة بيولوجية فحسب، بل هي بنية أخلاقية مستمرة، تتجاوز الزمن والمناسبة.
فالبرّ بالأم لا يخضع لمنطق التوقيت، لأنه ليس فعلًا طقوسيًا، بل نظام أخلاقي دائم.
وحين يُختزل هذا النظام في يومٍ واحد، فإننا لا نكرّم الأم بقدر ما نعيد تعريفها ضمن إطار زمني محدود، وهو ما يُعدّ—فلسفيًا—نوعًا من التقزيم الرمزي للقيمة.
من البرّ إلى الأداء: تحوّل المعنى في العصر الرقمي
في المجتمعات الرقمية، لم يعد الفعل الأخلاقي قائمًا بذاته، بل أصبح مرتبطًا بمدى قابليته للعرض.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ**“أخلاقيات الأداء”**، حيث يتحوّل البرّ إلى مشهد، والمشاعر إلى محتوى.
إن نشر صورة مع الأم في يوم محدد لا يُعدّ إشكالًا في ذاته، لكن الإشكال يكمن في أن هذه الصورة قد تصبح بديلًا عن العلاقة الحقيقية، لا تعبيرًا عنها.
وهنا ينشأ نوع من الوعي الزائف:
• وعي يعتقد أنه أدّى الواجب لأنه نشر
• وعي يساوي بين الظهور والحقيقة
• وعي يُنتج صورة الابن البارّ… دون أن يعيشها
الازدواجية الأخلاقية: حين تنفصل القيمة عن الممارسة
أخطر ما يكشفه عيد الأم هو هذه الازدواجية:
الاحتفاء العلني مقابل الغياب الفعلي
ففي الوقت الذي تتكثف فيه عبارات الحب في الفضاء العام، تتآكل—في بعض الحالات—العلاقة الحقيقية في الفضاء الخاص.
وهذا ما يمكن قراءته ضمن مفهوم “الانفصام القيمي”، حيث يعيش الإنسان خطابًا أخلاقيًا مرتفعًا، لكنه لا يترجمه إلى سلوك يومي.
الجذور الثقافية للمناسبة: من التكريم إلى التسليع
حين نشأ عيد الأم في سياقه الغربي، كان يحمل بُعدًا إنسانيًا خالصًا، لكنه لم يلبث أن دخل في منظومة السوق، حيث تحوّل إلى موسم استهلاكي.
هذا التحول يعكس ظاهرة أوسع، هي قدرة الرأسمالية على امتصاص القيم وتحويلها إلى منتجات.
وبذلك، لم تعد الأم تُكرَّم فقط، بل أصبحت—رمزيًا—جزءًا من دورة الاستهلاك.
إعادة تعريف البرّ: من الحدث إلى البنية
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاحتفال أو رفضه، بل في إعادة بناء مفهوم البرّ ذاته.
فالبرّ ليس:
• هدية موسمية
• منشورًا عاطفيًا
• حضورًا استثنائيًا
بل هو:
• استمرارية سلوكية
• وعي أخلاقي يقظ
• علاقة يومية قائمة على العطاء غير المشروط
عيد الأم كمرآة نقدية
بدل أن يكون عيد الأم مناسبة للاكتفاء الذاتي، يمكن تحويله إلى أداة نقد ذاتي، نسائل من خلالها أنفسنا:
• هل نحن أبناء في الواقع، أم في الصورة فقط؟
• هل نمارس البرّ، أم نُمثّله؟
• هل نحتاج يومًا لنُذكَّر، أم أن هذا التذكير دليل على خلل أعمق؟
خاتمة
الأم لا تحتاج إلى يوم لتُكرَّم، لأن قيمتها تتجاوز الزمن.
لكن الإنسان—في ظل انشغالاته وتحوّلات وعيه—قد يحتاج إلى لحظة توقّف، يعيد فيها ترتيب أولوياته.
غير أن هذه اللحظة تفقد معناها إن لم تتحوّل إلى مسار دائم.
فالأم ليست مناسبة…
بل اختبار يومي لصدق الإنسان مع نفسه



