الرئيسية

قراءة في كتاب: الحياة مفاوضات

شاعر الأمة محمد ثابت

قراءة في كتاب: الحياة مفاوضات

بقلم: د. غزال أبو ريا

يُعد كتاب “الحياة مفاوضات” للدكتور المرحوم صائب عريقات، الصادر عام 2008 عن قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، من الكتب السياسية والفكرية المهمة التي تجمع بين التجربة العملية والتحليل الأكاديمي لفهم عملية التفاوض، خاصة في سياق القضية الفلسطينية ومسار مفاوضات السلام.

وقد كتب تقديم الكتاب الأستاذ الدكتور رامي الحمد الله، الذي كان حينها رئيسًا لجامعة النجاح الوطنية، مؤكدًا أهمية هذا العمل بقوله:
“إن قيمة الكتاب جعلتني مهتمًا بطباعته ونشره ليكون بين أيدي القراء والمفكرين.”
وأضاف:
“لا أبالغ إذا قلت إنه من أهم الكتب السياسية في وقتنا الحاضر.”

في مقدمة الكتاب يوضح الدكتور صائب عريقات الدافع الذي قاده إلى تأليفه، إذ يذكر أنه فكّر يوميًا وعلى مدار سنوات طويلة في الكتابة حول المفاوضات، مستندًا إلى تجربته المباشرة في العمل السياسي. فقد كان عضوًا في الوفد الفلسطيني الذي شارك في مؤتمر مدريد للسلام 1991، كما شغل منصب نائب رئيس الوفد الفلسطيني في محادثات واشنطن بين الأعوام 1991 و1993.

ويشير عريقات إلى أن فكرة الكتاب لم تكن وليدة لحظة، بل جاءت بعد ثلاث سنوات من البحث والكتابة والتوثيق، بهدف تقديم قراءة معمقة لمسار المفاوضات الفلسطينية وما تحمله من تعقيدات وتحديات.

ولا يكتفي الكتاب بعرض الوقائع السياسية، بل يقدّم إطارًا علميًا لفهم المفاوضات واستراتيجياتها. ويؤكد أن المصالح في أي عملية تفاوض غالبًا ما تكون مزيجًا متداخلًا من عوامل اقتصادية وأمنية وسياسية، إضافة إلى المخاوف والتطلعات التي يحددها كل طرف من أطراف العملية التفاوضية.

العناصر السبعة في عملية التفاوض

يعرض الكتاب ما يُعرف بـ العناصر السبعة للمفاوضات، وهو إطار فكري طرحه الباحث في التفاوض روجر فيشر، ويُعد من أهم الأسس العلمية لفهم المفاوضات الحديثة.

1. المصالح (Interests)
المصالح هي الدوافع الحقيقية التي تقف وراء مواقف الأطراف. فالمواقف قد تكون مطالب معلنة، لكن خلفها احتياجات ومخاوف وتطلعات أعمق. لذلك فإن فهم المصالح الحقيقية للأطراف يساعد على الوصول إلى حلول أكثر استدامة وعدالة.

2. الخيارات (Options)
ويقصد بها البدائل أو الحلول الممكنة المطروحة على طاولة المفاوضات. وكلما زادت الخيارات المطروحة، زادت فرص الوصول إلى اتفاق يحقق مكاسب مشتركة للأطراف.

3. الشرعية (Legitimacy)
تعني اعتماد الاتفاق على معايير عادلة وموضوعية مثل القوانين أو الأعراف أو المعايير المهنية، مما يساعد على قبول الأطراف للنتائج باعتبارها منصفة.

4. العلاقة (Relationship)
العلاقة بين الأطراف عنصر مهم في نجاح المفاوضات. فالعلاقات المبنية على الاحترام والثقة تسهّل إدارة الخلافات وتفتح المجال للتعاون في المستقبل.

5. الاتصال (Communication)
الاتصال الفعّال يقوم على الفهم المتبادل والاستماع الجيد، حيث يسعى كل طرف إلى فهم رسالة الطرف الآخر بدقة حتى وإن اختلف معه في الرأي.

6. البدائل (Alternatives)
ويقصد بها الخيارات المتاحة لكل طرف في حال عدم التوصل إلى اتفاق. فكلما كانت البدائل قوية وواضحة، زادت القدرة التفاوضية للأطراف.

7. الالتزامات (Commitments)
الالتزامات هي الوعود أو الاتفاقات التي يتعهد الأطراف بتنفيذها. ويؤكد الكتاب ضرورة أن تكون هذه الالتزامات واضحة ومحددة وقابلة للتنفيذ.

الوساطة وإدارة النزاعات

كما يوضح الكتاب الخطوات الأساسية لعملية الوساطة، والتي تبدأ بطلب الوساطة واختيار الوسيط، ثم إجراء الاتصالات الأولية بين الأطراف، وعقد الجلسة الأولى وتحديد قواعد الوساطة. بعد ذلك يتم جمع المعلومات وتحديد مصالح الأطراف، ثم تطوير الخيارات الممكنة للحل وتقييمها وصولًا إلى النتائج وإعلان الأطراف موافقتهم على الاتفاق.

ويؤكد المؤلف كذلك على أهمية إدارة المشاعر في المفاوضات، خاصة في حالات الغضب والتوتر، حيث ينبغي للوسيط أن يهيئ بيئة يشعر فيها الأطراف بالأمان والثقة، الأمر الذي يساعد على بناء علاقات إيجابية تسهم في حل النزاعات.

زيارة صائب عريقات إلى سخنين

ومن الذكريات المرتبطة بهذا الكتاب أنه بعد صدوره قام الدكتور أحمد الطيبي بدعوة المرحوم الدكتور صائب عريقات إلى مدينة سخنين، حيث عُقد لقاء فكري وسياسي حضره عدد من المثقفين والمهتمين بالشأن العام. وخلال هذا اللقاء جرى توزيع نسخ من الكتاب على الحضور، كما استمعنا إلى محاضرة مهمة للدكتور عريقات عرض فيها تجربته الطويلة في المفاوضات والدروس التي استخلصها منها.

وفي تلك الفترة كنت الناطق بلسان بلدية سخنين، وكان يرأس البلدية حينها السيد مازن غنايم، وقد جاء هذا اللقاء في إطار النشاطات الثقافية والفكرية التي شهدتها المدينة آنذاك، والتي هدفت إلى تعزيز الحوار الفكري والسياسي في المجتمع.

تجربة شخصية وإلهام فكري

أما على الصعيد الشخصي، فقد التقيت بالمرحوم الدكتور صائب عريقات في جامعة النجاح الوطنية بعد صدور الكتاب، وكان لذلك اللقاء أثر كبير في نفسي. فقد شجعني يومها على كتابة كتابي الذي صدر مؤخرًا بعنوان “الوساطة في المدرسة والمجتمع: دليل تطبيقي”.

لقد كان المرحوم الدكتور صائب عريقات بالنسبة لي مصدر إلهام فكري وإنساني، ليس فقط من خلال تجربته السياسية، بل أيضًا من خلال إيمانه العميق بالحوار والتفاوض والوساطة كوسائل لبناء الجسور وحل النزاعات.

إن قراءة كتاب “الحياة مفاوضات” اليوم لا تعني فقط العودة إلى تجربة سياسية مهمة، بل هي أيضًا دعوة لتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم في مجتمعاتنا، حيث تبقى المفاوضات—بمعناها الواسع—جزءًا من حياة الإنسان ومسيرته نحو بناء مستقبل أكثر عدلًا وسلامًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى