الرئيسيةمقالات

خطوات نحو النقاء: رحلة القلب والروح في شهر رمضان

د. علي موسى الموسوي

يقترب شهر الخير وتنبض القلوب انتظارًا لمقدمه ذلك الشهر الذي لا يحتاج لضيافة فاخرة ولا طاولات زاخرة بأشهى الأطباق. يكفي لاستقباله كفوف تنافس برقتها رغيف خبز البسطاء، وقلوب تشتاق للعطاء. أيام قليلة تفصلنا عن ضيافة عزّ نظيرها ووَفدٍ كريم طالما ترامت إليه أشواق النفوس ولهفة الأرواح، فأقبل، يا رمضان، لتملأ البيوت ببركاتك وتضيء الأرجاء ببهائك.

مع قدومه، تختال الشوارع مسرورةً بفوانيسه المضيئة، وتغدو المساجد مكسوة بنور أجوائه العابقة بالإيمان. الجميع يُهنّئ بعضه البعض باستقبال هذا الزائر الغالي الذي يحمل في كيسه كنوزًا لا تُقدَّر بمعيار الذهب، بل بفيضٍ من الخير والرحمة والبركة. إنه شهر اجتمع فيه السخاء والفضل، تنهل النفوس منه كل عام رزقًا روحيًا لا يُضاهى. جعله الله عز وجل موسمًا استثنائيًا، حافلاً بالكرم الإلهي والمغفرة والعطاء. فقد خصّه سبحانه وتعالى بعظمة لا يضاهِيها أي شهر آخر؛ شهر أنزل فيه القرآن الكريم، هديًا للناس وبيّنات من الهداية والفرقان.

رمضان شهر المغفرة والرحمة، الذي تتجلى فيه معاني الخلاص والصفاء الروحي. وبفضله العظيم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له”، دلالة على عِظم فرصة المغفرة التي يمنحها الله لعباده في هذا الشهر الكريم. ولعلّ أبرز ما يميز رمضان أنه مرتبط بركن الإسلام الثالث؛ ركن الصيام الذي يقرب الله من عباده ويُطهّرهم.

في هذا الوقت المبارك من السنة، تختلف همم الناس في استقبال الشهر. هناك من ينكب على قراءة القرآن ويزرع لياليه قيامًا بين يدي الله حتى يكاد ينقطع عن الدنيا بالكامل، وهناك من يغشاه الشهر كزائر عابر في حدود أداء الفرائض فقط. فكيف السبيل إلى استقبال رمضان بالشكل الأمثل؟ الأمر يبدأ بتحضير النفس والبدن استعدادًا لتلك الرحلة الإيمانية التي تغير فينا الكثير.

لكل مسلم فرصة عظيمة مع بداية هذا الشهر الكريم لاستثمار الوقت والنية بشكل واعٍ ومدروس. إن حسن التخطيط يسبق الفضائل التي يجنيها المرء، وما أجمل أن تُضاء القلوب بالدعاء وطلب بلوغ رمضان قبل حلوله؛ أن يجتمع الفرح والشكر لله على العمر الذي أفسح المجال لمواسم جديدة من الخير.

ولكي نعيش رمضان كثوبٍ مطرز بالخيرات، علينا وضع أهداف محددة يعمل المسلم على تحقيقها خلال الشهر. توبة صادقة تصلح ما كان وتأخذ بنا صوب أيام أنقى وأفضل، وتسابقٌ إلى ختم القرآن الكريم قراءةً وتدبّرًا مرات عدة، بالإضافة إلى زيادة الأعمال الصالحة وكسب الحسنات من خلال معاملة حسنة وصبر إزاء الإساءة.

رمضان هو ربيع الأرواح وموسم الإصلاح؛ فمن يستطيع جعله بداية جديدة للطاعات وتحسين الخلق سيجد ثباتًا بعد انتهائه. ومن ينهمك في قراءة الكتب التي تنير القلب وتزيد الهمّة يرتقي إلى مدارج الصلاح العالية. أضف إلى ذلك المبادرات الإنسانية كالتصدق على الأيتام والمحتاجين وإقامة الإفطارات للصائمين الذين تخنقهم أحوال الدنيا.

إن رمضان فرصة ليست كباقي الفرص. فلنجعله منطلقًا لبناء ذواتنا على جانبٍ أخلاقي وروحي يتجاوز حدود هذا الشهر ليصبح زادًا يمتد طوال العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى