الرئيسيةمقالات

الصوم والصيام: دلالات الألفاظ والأبعاد الروحية

بقلم أ.د. عبد الحفيظ الندوي

يُعد القرآن الكريم معجزة بيانية فريدة، حيث جاءت كلماته بدقة إلهية لا متناهية؛ فليست مفرداته مجرد رصف للحروف، بل هي إشارات تحمل أبعاداً دلالية عميقة. ويذهب جلّ علماء اللغة إلى أنه لا يوجد ترادف تام في القرآن؛ فكلمتان قد تبدوان متطابقتين، إلا أن سياقهما يكشف عن فروق جوهرية. وفي هذا السياق، يبرز المصطلحان “الصوم” و”الصيام” كنموذج رصين للفقه اللغوي والروحي.

من الناحية اللغوية، يعني “الصوم” مطلق الإمساك والكف؛ فقد أطلق العرب قديماً لفظ “الصوم” على الخيل إذا أُمسكت عن العلف أو رُبطت لتخفيف شحمها وتدريبها على التحمل. وهذا المعنى يتجاوز في الإنسان مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، ليشمل ضبط اللسان والمشاعر. ويتجلى ذلك في قصة مريم عليها السلام، حين أُمرت بالصمت فسمى القرآن ذلك “صوماً”: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾. فالصوم هنا تزكية داخلية تركز على الجانب الروحي وكفّ الجوارح.
أما “الصيام”، فهو المصطلح الفقهي الذي يعني الإمساك عن المفطرات من فجر اليوم إلى غروبه بنية التعبد. وقد استخدمه القرآن الكريم في مواضع الأحكام والفرائض، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. فالصيام هو الإطار التشريعي والجسدي للعبادة، وهو التكليف المنضبط بحدود الزمان والقانون الشرعي.
إن الرؤية الإسلامية المتكاملة تتجلى في دمج “الصيام” مع “الصوم”؛ فمن صام بطنه ولم يصم لسانه، فقد حذره النبي ﷺ بقوله: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». فالصيام تدريب للأبدان، والصوم تتمة للأرواح. ولعل هذا السر هو ما جعل الله تعالى ينسب العبادة لنفسه بلفظ الصوم في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي». فاختيار لفظ “الصوم” هنا يشير إلى تلك الحالة الباطنية التي لا يدخلها رياء، حيث تصوم الجوارح والقلب سراً بين العبد وربه.
وختاماً، فإن تأمل هذه الفروق الدقيقة يمنح المؤمن بصيرة روحية؛ فالصيام الفقهي يجب أن يقود بالضرورة إلى الصوم النفسي. فبدون “الصوم”، يبقى “الصيام” مجرد حرمان جسدي، كما ورد في الأثر: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ». إن التقوى المنشودة لا تكتمل إلا باجتماعهما؛ فبالجسم نلتزم وبالروح نقترب، ليكون رمضان رحلة ارتقاء حقيقية للإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى