مقالات

إنفاق مال الله: استخلاف ومسؤولية بقلم أ.د. عبد الحفيظ الندوي

إن المتأمل في نصوص الوحيين يدرك حقيقة كبرى، وهي أن الله سبحانه هو المالك المطلق لهذا الكون، وأن الإنسان ليس سوى مستخلف مؤتمن على ما بين يديه من نعم. وقد جعل الله الإنفاق معياراً للإيمان الصادق، وصدر به صفات المتقين في مطلع سورة البقرة حين قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. فالعطاء هنا ليس تفضلاً من العبد، بل هو أداء لأمانة المال الذي استودعه الله إياه.
وتتعدد مجالات هذا الاستخلاف لتشمل كل ما يملكه الإنسان من صحة، ووقت، وعلم، ومال، وهي تجارة رابحة مع الله ينجو بها العبد من أليم العذاب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾. ولتحقيق ثمرة هذا الإنفاق، اشترط الشرع جودة البذل وإخلاص القصد؛ فلا يبلغ العبد حقيقة البر حتى ينفق مما يحب لا مما زهد فيه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
بيد أن هذا العمل العظيم قد يحبطه المنُّ والأذى أو الرياء، فشبّه الله من ينفق ماله رياء الناس بصفوان صلد لا ينبت زرعاً، وحذرنا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾. وفي المقابل، وعد الله المنفقين المخلصين بمضاعفة الأجر أضعافاً كثيرة، كحبة أنبتت سبع سنابل، تأكيداً على أن الصدقة تزيد المال ولا تنقصه، بل تبارك فيه وتربيه لصاحبه حتى يلقى الله بقلب سليم.
إن الغاية النهائية من المال هي نيل رضا الله وإعمار الدار الآخرة دون نسيان نصيب الإنسان من الدنيا، فالإسلام دين توازن. والقبول في النهاية مرهون بطهارة النفس وسلامة الصدر، ليكون الإنفاق جسراً يعبر به المؤمن إلى جنات النعيم، ممتثلاً قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى