
لم يعد العزوف عن الزواج بين الشباب والفتيات في المجتمعات العربية مجرّد حالة فردية أو خيار شخصي، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة اجتماعية لافتة، تتقاطع معها أرقام متزايدة عن حالات الطلاق المبكر وعدم استقرار الحياة الزوجية. هذه التحوّلات لا يمكن قراءتها بوصفها أزمة أخلاقية فقط، ولا بوصفها أزمة اقتصادية فقط، بل هي نتاج شبكة معقّدة من التغيرات الثقافية والنفسية والاقتصادية والتقنية التي تعيد تشكيل معنى الزواج ذاته في وعي الجيل الجديد.
في السابق، كان الزواج يُفهم باعتباره محطة طبيعية في مسار الحياة، وانتقالًا من مرحلة الفرد إلى مرحلة الأسرة، ومن الاعتماد إلى المسؤولية المشتركة. أمّا اليوم، فقد تغيّر هذا المعنى جذريًا؛ إذ لم يعد الزواج ضرورة اجتماعية بقدر ما أصبح خيارًا مؤجّلًا، مشروطًا، ومحمّلًا بتوقعات عالية، بل أحيانًا مُخيفة.
أحد أبرز أسباب هذا التحول هو العامل الاقتصادي. فارتفاع تكاليف المعيشة، وأسعار السكن، وعدم استقرار فرص العمل، جعل الزواج يبدو مشروعًا عالي المخاطر، خصوصًا لدى الشباب الذين يعيشون في بيئة اقتصادية متقلّبة. الزواج لم يعد بداية حياة، بل صار يُنظر إليه كمغامرة مالية طويلة الأمد، قد تُقحم الفرد في أعباء لا يملك أدوات إدارتها. هذا القلق الاقتصادي لا يؤخر الزواج فحسب، بل يزرع في داخله هشاشة مبكرة، تظهر لاحقًا في شكل توتر وصراعات وانفصال.
إلى جانب ذلك، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا غير مباشر ولكنه عميق. هذه الوسائل أعادت تشكيل تصوّر الإنسان عن العلاقات، حيث خلقت وهم الوفرة، وسهولة الاستبدال، والمقارنة المستمرة. الشريك لم يعد يُرى بوصفه إنسانًا يُبنى معه مشروع طويل، بل خيارًا ضمن قائمة طويلة من الخيارات المحتملة. هذا المنطق الرقمي يتسلل إلى الوعي العاطفي ويُضعف قيمة الالتزام، ويجعل الاستمرار في العلاقة أكثر صعوبة من مغادرتها.
كما ساهم التحوّل نحو الفردانية في إعادة تعريف معنى السعادة والنجاح. لم تعد الأسرة هي الإطار الأساسي لتحقيق الذات، بل أصبحت الذات مشروعًا مستقلًا: الدراسة، السفر، العمل، الإنجاز الشخصي، الصحة النفسية، كلها مشاريع تُقدَّم على فكرة الاستقرار الأسري. الزواج في هذا السياق لم يعد مساحة أمان، بل قد يُنظر إليه كقيد على الحرية، أو كعائق أمام التطور الفردي، لا كرافعة له.
ولا يمكن تجاهل أثر العلاقات قبل الزواج، أو خارج إطاره، في تفكيك مكانته الرمزية. فحين تُشبَع بعض الحاجات العاطفية أو النفسية خارج إطار الزواج، يتراجع الدافع إليه، أو يُحمَّل بتوقعات غير واقعية، مما يجعله أقل قدرة على الصمود حين يدخل حيّز التطبيق الواقعي بكل ما فيه من مسؤوليات وتنازلات.
أما البعد الديني، فله أثره الخاص، لا بوصفه منظومة أوامر ونواهٍ، بل بوصفه إطارًا أخلاقيًا ومعنويًا كان يمنح الزواج قيمة تتجاوز المنفعة المباشرة. تراجع هذا البعد عند بعض الفئات لم يُلغِ الحاجة إلى المعنى، لكنه أضعف المرجعية المشتركة التي كانت تنظّم السلوك، وتُسهم في ضبط النزاعات، وتدفع نحو الصبر والتسوية بدل الانفصال السريع.
في المحصلة، ما نشهده ليس انهيارًا لمؤسسة الزواج بقدر ما هو إعادة تشكيل لها داخل سياق اجتماعي جديد لم تُبْنَ له بعد أدوات توازن مناسبة. نحن أمام مرحلة انتقالية تتفكك فيها القيم القديمة قبل أن تتشكّل القيم الجديدة، وهو ما يخلق حالة من الارتباك الاجتماعي والعاطفي لدى الأفراد.
العزوف عن الزواج وتصاعد الطلاق ليسا خللًا أخلاقيًا بقدر ما هما مؤشّران على تحوّل عميق في علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالمجتمع. والتعامل مع هذه الظاهرة لا يكون عبر اللوم أو الوعظ فقط، بل عبر بناء شروط اجتماعية واقتصادية ونفسية تجعل الزواج مرة أخرى مساحة أمان ونمو، لا ساحة قلق وصراع.
فالمجتمع الذي لا يُعيد التفكير في معنى علاقاته الأساسية، سيجد نفسه أمام أفراد أكثر حرية… لكن أقل طمأنينة، وأكثر استقلالًا… لكن أقل استقرارًا
في ختام حديثي دعوة إلى إعادة النظر
ربما لا تكون أزمة الزواج في جوهرها أزمة ارتباط بقدر ما هي أزمة معنى. أزمة في فهمنا لماهية العلاقة، ولِمَ نحتاج الآخر، ولِمَ نخاف منه في آنٍ معًا. لقد بالغنا في حماية ذواتنا حتى صارت الذوات محاصرة، وبالغنا في تمجيد الحرية حتى صارت الوحدة ثمنًا غير معلن لها.
إعادة النظر لا تعني العودة القسرية إلى نماذج قديمة، ولا رفض التحولات الحديثة، بل تعني البحث عن صيغة أكثر إنسانية للعلاقة، صيغة ترى في الزواج شراكة نمو لا عقد امتلاك، ومسؤولية مشتركة لا عبئًا فرديًا، ومساحة أمان لا ساحة اختبار دائم.
نحتاج أن نعيد الاعتبار لقيمة الالتزام بوصفه فعل شجاعة لا ضعف، وللاستمرار بوصفه مهارة تُتعلّم لا صدفة تُنتظر، وللخلاف بوصفه فرصة للفهم لا مبررًا للهروب. كما نحتاج أن نُعيد طرح الأسئلة الأساسية: ماذا نريد من العلاقة؟ ماذا نعطي فيها؟ وماذا نطلب منها أن تمنحنا؟
فالمجتمع لا يُبنى فقط بالاقتصاد والقوانين، بل يُبنى أيضًا بالعلاقات التي نُنشئها، وبالبيوت التي نصنع فيها الطمأنينة، وبالروابط التي نختار أن نحافظ عليها حتى عندما لا تكون سهلة. هناك فقط، في منطقة الاختيار الواعي والمسؤول، يمكن أن تستعيد العلاقة معناها… ويستعيد الإنسان بعضًا من سكينته

