مقالات

حضور المرأة في تراث الإسلام بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

إسهامات المرأة في التراث الإسلامي لها حضور بارز ومحوري؛ فلم تكن المرأة عنصرًا هامشياً، بل شاركت بفاعلية في بناء صرح الحضارة الإسلامية علماً وفكراً وعملاً.
شهد صدر الإسلام مشاركة واسعة للمرأة في الحياة العامة والتعليمية والسياسية؛ فلم تكن معزولة عن الشأن العام، بل كانت شريكاً فاعلاً يساهم في توجيه دفة المجتمع. ومن أبرز نماذج ذلك أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنها- التي تُعد من أبرز مراجع الأمة الإسلامية على الإطلاق، حيث لم تقتصر مهمتها على تبليغ النصوص بل كان فقهاء الصحابة يرجعون إليها في استنباط الأحكام ورود نحو ألفين ومئتين وعشرة أحاديث، وكان كبار الصحابة يسألونها عما أشكل عليهم من مسائل المواريث والفقه والسنن، فضلاً عن معارضتها أحياناً لبعض الاجتهادات بالحجة والدليل، كما حرصت النساء في ميدان التعليم على التفقه في الدين والسؤال عن أمور الشريعة. وبرزت الشفاء بنت عبد الله العدوية التي عيّنها الخليفة عمر بن الخطاب مراقبةً أو محتسبةً على السوق في المدينة المنورة لتنظيم الأسواق ومراقبة المعاملات التجارية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يدل على حضورها السياسي والإداري المتقدم ومشاركة المرأة في الشورى وإبداء الرأي في مواقف حاسمة للدولة الناشئة.
ولعبت المرأة دوراً جليلاً في حفظ ونقل السنة النبوية الشريفة، فقد حفلت كتب التراجم مثل سير أعلام النبلاء للذهبي وتهذيب التهذيب لابن حجر بآلاف تراجم العالمات والمحدثات اللاتي لم يقتصر دورهن على السماع بل كنّ شيوخاً لأكابر أئمة الدين، وكانت شهادة المرأة وروايتها مقبولة وموثوقة تماماً في نقل النصوص الشرعية وامتد دورهن إلى التدريس وإلقاء المجالس العلمية في المساجد والمدارس العريقة عبر القرون. ومنهن فاطمة بنت محمد البغدادية التي تلقى الإمام الشافعي عنها العلم بمكة فكان يثني على علمها وفهمها الفقهي الدقيق، وكريمة المروزية التي كانت من أعظم رواة صحيح البخاري في عصرها وبلغت حجة في الرواية وضبط النص ليحرص حفاظ الحديث على الرواية عنها، وعائشة بنت أحمد الباعونية العالمة والصوفية والكاتبة الشامية التي برزت في القرن العاشر الهجري وأجازت كبار علماء عصرها في الفقه والتصوف والشعر.
وتاريخياً، كانت المرأة المسلمة في طليعة المنفقين والمؤسسين للمؤسسات الاجتماعية والعلمية، ويعد نظام الوقف الإسلامي شاهداً حياً على دورها الاقتصادي والخيري؛ حيث كانت الأموال والأوقاف التي رصدتها النساء ركيزة أساسية لاستمرار المؤسسات دون إرهاق لخزينة الدولة، لبناء المدارس والمستشفيات والمساجد وتوفير المياه ورعاية الفقراء وطلبة العلم. ومن أبرز هؤلاء فاطمة الفهرية أم البنين التي قامت بتأسيس جامعة القرويين بمدينة فاس المغربية في القرن التاسع الميلادي، وأفنت كل ما ورثته لبناء هذا الصرح الذي تحول تدريجياً إلى أقدم جامعة عاملة ومستمرة في العالم تخرج منها كبار علماء المشرق والمغرب. واشتهرت زبيدة بنت جعفر زوجة هارون الرشيد بمشاريعها الكبرى لخدمة الحجيج وعامة الناس وأبرزها عين زبيدة بمكة المكرمة التي أنفقت أموالاً طائلة لشق قنوات وعيون مائية لجلب الماء العذب لتسقية الحجيج وأهالي مكة، كما أسست الخيزران بنت عطاء العديد من الأوقاف الخيرية وتمويل حفر آبار المياه وإنشاء مرافق الخدمات العامة وتوفير الدعم للفقراء والعلماء في الحجاز والعراق.
يؤكد استقراء التراث الإسلامي بإنصاف أن إشراك المرأة ودعم حضورها العلمي والمجتمعي لم يكن طارئاً ولا دخيلاً، بل هو جزء أصيل من بنية الحضارة الإسلامية ونهضتها، وهو ما يستدعي استلهام هذه الروح التاريخية لتمكين المرأة المعاصرة من أداء دورها الريادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى