مقالات

الفلسطينيون إزاء ظاهرة “معاداة السامية” تأليف: د.ماهر الشريف

من الشائع في الغرب أن تُنسب إلى العرب والمسلمين، بمن فيهم الفلسطينيون، “معاداة السامية”، وهو ما برز بوضوح مؤخراً من خلال التعليقات الكثيرة على العملية التي قامت بها حركة “حماس”، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ضد مستوطنات “غلاف غزة”، إذ وُصفت حركة “حماس” بأنها “حركة إرهابية”، وشُبهت بتنظيم “داعش”، واتُهمت بـ “معاداة السامية”، وجرت المقارنة بين المدنيين الإسرائيليين الذين قُتلوا في تلك العملية وبين اليهود من ضحايا معسكرات الاعتقال النازية. والواقع أن موقف سياسيي الغرب ووسائل الإعلام السائدة فيه هذا يندرج في إطار ظاهرة “الإسلاموفوبيا” التي تنطوي على الخلط بين المسلمين و”الإرهابيين”.

ظاهرة “معاداة السامية” في التاريخ

يُنسب مصطلح “معاداة السامية” إلى الصحافي الألماني ويلهلم مار (1819-1904)، الذي صاغه في سنة 1879، كي يحل محل مصطلح “كراهية اليهود”، وذلك في كتيب نشره في برلين بعنوان: “انتصار الهوية اليهودية على الهوية الألمانية”. وفي العام نفسه، أسس “رابطة معاداة السامية”، ودعا إلى طرد جميع اليهود نحو فلسطين. ولم يقصر ويلهلم مار ظاهرة “معاداة السامية” على “كراهية اليهود” فحسب، بل شمل بهذه الظاهرة أيضاً النزعات الليبرالية والكوسموبوليتية والأممية التي ربطها باليهود، وكذلك المساواة في الحقوق المدنية والاشتراكية والنزعة السلمية.

بيد أن “معاداة السامية” لم تظهر مع ابتكار المصطلح، وإنما هي تعود إلى ما قبل العصر الحديث؛ فحوادث العنف ضد اليهود التي شهدها التاريخ، وعُرفت بـ “البوغرومات”، كانت من المظاهر الشائعة لمعاداة السامية، وكانت السلطات تشجعها غالباً، من خلال ترويج شائعات تتهم اليهود باستخدام دماء الأطفال المسيحيين في طقوسهم الدينية. وفي العصر الحديث، أضاف المعادون للسامية إلى أيديولوجيتهم المناهضة لليهود بعداً سياسياً، وراحت تتشكل، خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، أحزاب معادية للسامية في ألمانيا وفرنسا والنمسا وغيرها، وظهرت منشورات، مثل “بروتوكولات حكماء صهيون”، تتحدث عن “مؤامرة يهودية عالمية”. وفي سنة 1919، أعطى الحزب النازي، الذي أسسه أدولف هتلر، تعبيراً سياسياً لنظريات العنصرية، وأقام شعبيته على أساس نشر دعاية معادية لليهود تدعو إلى طردهم من ألمانيا. وعندما وصل هذا الحزب إلى السلطة في سنة 1933، نظّم حملات مقاطعة اليهود، وقام النازيون في ألمانيا والنمسا في 9 و10 تشرين الثاني/نوفمبر 1938 بتدمير الكنس اليهودية وواجهات المحلات التي يملكها يهود فيما عُرف باسم “ليلة الكريستال”. وهذا الحادث مثّل منعطفاً على طريق الإبادة الجماعية التي ذهب ضحيتها ملايين اليهود، خلال الحرب العالمية الثانية، على يد ألمانيا النازية.[1]

“معاداة السامية” ظاهرة غربية ولا علاقة لها بالعرب والمسلمين

قدّر الباحث الإسرائيلي الراحل أوري أفنيري، في مقال نشره في شباط/فبراير 2015 بعنوان: “ضد ماذا؟”،[2] أن معظم الهجمات التي تستهدف اليهود في أوروبا، والتي يُتهم شبان مسلمون بارتكابها، “ليس لها أي علاقة بمعاداة السامية،” بل هي تعود إلى سببين رئيسيين: الأول محلي، إذ إن هؤلاء الشبان هم، في الغالب، أبناء مهاجرين من شمال أفريقيا “شهدوا وقوف معظم اليهود في الجزائر مثلاً، خلال النضال المرير من أجل الاستقلال، إلى جانب النظام الاستعماري الفرنسي”، وعندما هاجر جميع اليهود وكثيرون من العرب من الجزائر إلى فرنسا “جلبوا معهم صراعهم القديم هذا”، وكونهم عاشوا جنباً إلى جنب في أحياء مكتظة بالسكان في منطقة باريس ومدن أُخرى، فإن العداء المتبادل بينهم ظل قائماً. أمّا السبب الثاني الذي يغذي هذا العداء، فهو “مرتبط بالصراع العربي-الصهيوني المستمر، إذ يشعر جميع العرب في العالم تقريباً، فضلاً عن معظم المسلمين، بأنهم متورطون في هذا الصراع”، وخصوصاً عندما “لا يفوّت بنيامين نتنياهو فرصة للإعلان أنه يمثل جميع يهود العالم، بحيث يجعل هؤلاء اليهود مسؤولين عن سياسات إسرائيل وأفعالها، مثل حرب غزة الأخيرة [2014].” فظاهرة معاداة السامية هي ظاهرة غربية، و”جزء لا يتجزأ من الثقافة الأوروبية”، وهي تعود إلى جذور دينية مسيحية؛ إلى “صورة” اليهودي الذي يدعو إلى موت المسيح، ثم صارت تنطوي على أبعاد سياسية، إذ ظهرت في العديد من الدول الأوروبية “مجموعات قومية متطرفة قديمة وجديدة تحاول إغواء الجماهير بكراهية الآخر”، وكان اليهود دائماً، وما زالوا، “كبش الفداء المثالي لفقراء أوروبا”، وخصوصاً “مع الأزمات الاقتصادية المتكررة، والفجوة المتزايدة الاتساع بين الفقراء المحليين وأصحاب الثراء الفاحش المتعددي الجنسيات.” ويتابع أفنيري أن ليس لهذه الظاهرة بالتالي أي علاقة بالعرب، “لأن العرب ساميون”، وربما يكون العرب “أكثر سامية من اليهود، لأن اليهود اختلطوا بغير اليهود لقرون عديدة.” ونظراً إلى أن الصحافي الألماني ويلهلم مار لم يلتقِ قط بأي عربي في حياته، كما يلاحظ أفنيري، “فقد كان الساميون الوحيدون، بالنسبة إليه، هم اليهود، وكانت حملته الصليبية ضدهم فقط.” أمّا أدولف هتلر، فقد طبّق عنصريته على “جميع الساميين”، وهو “لم يستطع أن يتحمل العرب كذلك، وخلافاً للأسطورة، كان يكره مفتي القدس الأكبر الحاج أمين الحسيني، الذي فرّ إلى ألمانيا، وبعد أن قابله مرة لأغراض التصوير التي نظمتها آلة الدعاية النازية، لم يوافق على مقابلته مرة أُخرى.”

“معاداة السامية” و”الإسلاموفوبيا” تعبيران عن نزعة عنصرية

على الرغم من أن مصطلح “سامي”، بحسب المعاجم اللغوية، يتوافق مع “الذي ينتمي إلى مجموعة من شعوب الشرق الأدنى، تتحدث أو تحدثت في العصور القديمة باللغات السامية”، أي هو يشمل من يتحدث العبرية والعربية ومشتقاتهما المتعددة، مثل الأثيوبية والآرامية الجديدة وغيرهما، فإن “معاداة السامية”، يتم قصرها على “الأفعال المعادية لليهود”. وبينما تُنظّم، في بعض المدن الغربية تظاهرات لمحاربة ظاهرة “معاداة السامية” تحت شعار “الاتحاد خلف القيم العالمية”، يطرح بعض المراقبين الذين يتابعون هذه التظاهرات السؤال التالي: لماذا يكتفي منظمو هذه التظاهرات بإدانة معاداة السامية، ولا يدينون، في الوقت نفسه، الاستفزازات والهجمات ضد المسلمين أو العرب؟ وإذا كان الأمر يتعلق بالتعبير عن التضامن مع ضحايا الحرب الإسرائيلية – الفلسطينية الحالية، فلماذا يتم ذكر الضحايا الإسرائيليين وحدهم، ولا تُدان المجزرة الجماعية المستمرة الآن في غزة والتي خلفت حتى الآن عشرات الآلاف من الضحايا؟[3]

إن “معاداة السامية” آفة يجب محاربتها، وهي باتت مقترنة اليوم بالعنصرية المعادية للعرب وكراهية المسلمين، بحيث يكون أحد الشروط الأساسية لمكافحتها، كما يقول المؤرخ والصحافي دومينيك فيدال، هو “أن تسير جنباً إلى جنب مع معركة شرسة ضد العنصرية التي يعاني منها السكان ذوو الأصول المهاجرة.”[4] فالعنصرية التي تستهدف اليهود، وتمثّلت ذروتها في “المحرقة”، تستهدف المسلمين اليوم، بحيث باتت “الإسلاموفوبيا”، مثل معاداة السامية، القاسم المشترك لجميع الأحزاب والأيديولوجيات العنصرية والمعادية للأجانب في العالم.[5]

توجد طبعاً فوارق بين “معاداة السامية” و”رهاب الإسلام”، لكن أمرين مهمين يجمعان بينهما، كما يلاحظ الباحث رضا ضياء إبراهيمي، في كتابه “معاداة السامية ورهاب الإسلام. تاريخ متقاطع”، الصادر في فرنسا في آب/أغسطس 2021: أولهما، “اعتبار العامل الديني مؤشراً عرقياً في حد ذاته”، وثانيهما، “الاعتقاد بوجود مؤامرة يحوكها المسلمون واليهود ضد الغرب.” وتشير الصحافية سارة قريرة، في عرضها هذا الكتاب، إلى أن إبراهيمي يرى أن “تهويد العالم وأسلمته هما الشبحان اللذان ينتابان فكر وخطاب عدد من الغربيين”، ذلك بأن الفكرة القديمة بوجود “نخبة يهودية تتمتع بسلطة مالية مهمة وتبسط يدها على مراكز القرار والسلطة، وتعمل في الخفاء للسيطرة -أو تهويد- الأمة والعالم، هي فكرة لا تزال قائمة”، بينما “المؤامرة الإسلامية”، لا تزال “حديثة عهد، ونرى ظواهرها يومياً في الخطاب السياسي والإعلامي الفرنسي”، الذي يحذّر من “الاجتياح الديموغرافي” الذي “يساهم فيه المهاجرون الذين يجازفون بأرواحهم للعبور إلى أوروبا وكذلك بالطبع مسلمو فرنسا.”[6]

التعايش السمح بين أتباع الديانات السماوية في لواء القدس

عندما تفجرّت “قضية دريفوس” في سنة 1894، التي انطوت على اتهام الكابتن في الجيش الفرنسي ألفريد دريفوس بـ “الخيانة”، وفي “مواجهة الهوس المعادي لليهود لدى جزء من النخب الفرنسية، تبنى مثقفون من الإمبراطورية العثمانية في عهدها المتأخر قضية المتهم، بدءاً بأحد رواد الأصولية الإسلامية، رشيد رضا، الذي برز بعد ذلك في مصر بسبب دعوته النابضة بالحياة لصالحها، وفرح أنطون، أحد رواد الحداثة العلمانية، الذي أشاد بشجاعة المدافعين عن دريفوس عام 1899، في مجلة الجامعة”؛ هذا ما أوردته الصحافية سليمة مردم بك في مقال نُشر في صحيفة “لوريان لو جور” البيروتية في 17 حزيران/يونيو 2022، ونقلت فيه عن جيلبير الأشقر، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، أنه: “عندما بدأت معاداة السامية الأوروبية تحقق وضوحاً كبيراً، ولا سيما في قضية دريفوس، أعرب أولئك الذين تمكنوا من متابعة هذه الأحداث في أغلب الأحيان عن تعاطفهم مع اليهود، حيث كان يُنظر إلى اليهود على أنهم ʾأبناء عمومة شرقيونʿ داخل ʾالفضاء المسيحي الغربيʿ.”[7]

وهذا التعبير عن النظرة إلى اليهود الشرقيين على أنهم “أبناء عمومة” نجده في التعايش السمح الذي كان قائماً في لواء القدس بين المسلمين واليهود والمسيحيين، وخصوصاً بعد نشر الدستور العثماني في صيف سنة 1908، وفي اعتبار اليهود أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من مواطني الدولة العثمانية ومن أهالي القدس. فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية بعد احتلالها طرابلس الغرب في أيلول/سبتمبر 1911، شارك يهود مدينة القدس في الحملة الرامية إلى الالتفاف حول الدولة العثمانية ونصرتها في مواجهة اعتداء إيطاليا، إذ نشر “المجلس الروحاني الإسرائيلي في القدس” دعاء باللغة العبرية، ورد فيه: “إن دولتنا العثمانية العلية، نصرها الله، كثيرة الإحسان، وهي تظلل بإحسانها جميع الشعوب والأمم من دون تفريق.. والآن، قام الأعداء وشهروا الحرب عليها، واعتدوا على حدودنا القديمة… لذلك، نحن شعبك إسرائيل الساكن في القدس الآن في أرضه، والمنتفع بالحقوق الوطنية كسائر الأمم الساكنين بسلام وراحة في بلادنا، تحت ظل مليكنا العظيم الكريم الرحيم ووزرائه العادلين، نتضرع إليك بكل خشوع، يا ملك السلاطين، أن تتحنن عليها، وتنير سلطاننا الرحيم ووزراءه، وتقوّم السبيل الذي يتوخونه وتقوي ذراعهم في الحرب والرماية.”[8] وقد ضم “المجلس العمومي” للواء القدس، الذي كان بمثابة سلطة “تشريعية” تشرف على تطوير اللواء، ممثلين عن المسلمين والمسيحيين واليهود، كان ضمنهم، في خريف سنة 1910، حاييم أفندي الياشار من أهالي القدس، وهارون أفندي الماني من أهالي الخليل.[9] ولدى صدور قانون تجنيد غير المسلمين، تجنّد الشبان اليهود في الجيش العثماني، وقدم باشحاخام الإسرائيليين طلباً إلى نظارة العدلية يدعو فيه إلى “تعيين حاخامين في فرق الجيش لأبناء ملته، وفرصة 8 أيام في عيدهم الكبير، ويومين لعيد رأس السنة والعيد الصغير، وأن يذهبوا إلى الكنيس كل سبت، وأن ينشئوا لهم كنيساً في غرفة خصوصية”، كما أرسل حاخام الطائفة الإسرائيلية في القدس “تلغرافاً إلى الأستانة، يطلب فيه إعفاء الجنود الإسرائيليين من الأكل مع جنود سائر الملل لأسباب دينية، وأن تُعطى لهم دراهم ليبتاعوا بها قوتهم الضروري.[10] وعندما بدأت التحضيرات في لواء القدس، في خريف سنة 1908، لانتخاب ثلاثة نواب عنه إلى مجلس المبعوثان في الأستانة، كان ضمن المترشحين العشرة إسحق ليفي، مفتش الزراعة في ولايتي سورية وبيروت سابقاً، الذي نشر بياناً انتخابياً أكد فيه أنه سيبذل المستطاع، وسيعمل بكل قواه “سعياً وراء الفائدة الحقيقية نحو الوطن بنوع عام، ونحو البلاد الفلسطينية بنوع خاص”، وعاهد مواطنيه بأنه سيهتم على الخصوص “بإصلاح الزراعة والتجارة والصناعة”، وسيطلب بإلحاح وبكل قوته “إنشاء جميع الطرق اللازمة للمواصلة ولتسهيل الحياة الاقتصادية”، وسيرفع صوته “بدون خشية لإنشاء كثير من المدارس”، كما سيسعى من أجل أن يسهّل “أمر الاستدانة وذلك بتأسيس كثير من البنوك”، وسيطلب “تطهير القوانين والمحاكم من جميع المظالم التي تخنق العدالة والحق.” وختم بيانه بالإشارة إلى أنه لن يستاء من الناس في حال عدم انتخابه، وأنه لا يبحث من وراء ترشحه عن منفعة مادية، قائلاً: “فإن كنتم تفضلون سواي عليّ فأنا لا أقول إنكم أخطأتم، ولكني أقول إنكم بلا شك تعرفون الناس الذين خدماتهم هي ضرورية جداً لكم في هذا الوقت؛ أمّا من جهتي، فلا أكون قد خسرت شيئاً سوى الفرصة المناسبة لخدمتكم الخدمة النصوحة، لأن الفوائد المادية التي تنتج عن رواتب النواب هي حقيرة جداً ووظيفتي الشخصية الحالية هي من حمده تعالى وظيفة سامية تجعلني بعيداً عن الحاجة للسعي وراءها من هذه الجهة.” وفي انتخابات ربيع سنة 1912، ترشح ممثلان عن أتباع الديانة اليهودية هما داود يلين ويوسف حاي.[11] وفي الاحتفال الذي أقامته “جمعية الاتحاد والترقي” في مدينة القدس لإحياء الذكرى الأولى لنشر الدستور، ألقى يعقوب لافي خطاباً باسم دار المعلمين الإسرائيليين في القدس، ورد فيه: “قد تفضلتم بدعوتكم إيانا للاشتراك في هذا الموكب الوطني البهيج، في يوم عيد دستورنا العزيز، فها قد لبينا دعوتكم.. كيف لا وبهذا الموكب قد نرى، ونرى فعلاً إحياء معنى الاتحاد والإخاء بين أبناء الجيل الناشئ على اختلاف الأديان والمذاهب”، وأضاف: “من يقدّر الحرية حق قدرها أكثر من الطلبة المطلعين على التواريخ وأخبارها، وأي قوم يحق له أن يلتذ بحلاوة المساواة والإخاء أكثر من القوم الإسرائيلي الذي طالما قاسى مرارة الظلم والاستبداد على مدى الدهور”، محيياً، باسمه واسم إخوانه الشبان، من الطلبة الإسرائيليين، جمعية الاتحاد والترقي “التي لها الفخر بإزالة الاستبداد واستئصاله”، قائلاً: “لتعش جمعية الاتحاد والترقي، لتدم دولتنا العثمانية الدستورية، وليعش سلطاننا الدستوري الأول.”[12]

بروز الصهيونية يغيّر المعادلة

أدى بروز الصهيونية، ثم صدور “تصريح بلفور” واحتلال فلسطين من جانب بريطانيا، إلى تغيير معادلة التعايش التي كانت سائدة في العهد العثماني. بيد أن العداء للصهيونية لم يكن تعبيراً عن عداء لليهود، كأتباع ديانة سماوية، وإنما كان تعبيراً عن عداء لحركة استعمارية حظيت بدعم الاستعمار الغربي، وأرادت السيطرة على فلسطين واقتلاع سكانها الأصليين. وشيئاً فشيئاً، وبسبب الصراع العربي – الصهيوني، تم القضاء على تاريخ التعايش بين المسلمين واليهود، وأصبح اليهود العرب “الضحية الثانية للصهيونية”، إذ غادر معظم اليهود المغاربة والعراقيين والمصريين واليمنيين بلدانهم العربية إلى إسرائيل، ليحلوا محل الفلسطينيين الذين طردوا من مدنهم وقراهم خلال النكبة.[13]

وفي الرد على النكبة، ظهرت كتابات قومية عربية وإسلامية، بصورة خاصة، كان واضحاً تأثرها بالكتابات الغربية المعادية للسامية، واستندت إلى الخلط بين اليهودية والصهيونية؛ فقد ماهت حركة القوميين العرب، في منشوراتها الأولى، بين اليهودية والصهيونية، ورأت في الثانية “الوجه السياسي الحديث” للأولى، معتبرة أن الذين ينظرون إلى اليهودية بصفتها مجرد دين وليست قوة منظمة متماسكة “لن يستطيعوا أن يدركوا ضخامة العدو الذي نقاتله، والذي لا يتمثل في دولة إسرائيل فحسب، بل كذلك في ملايين اليهود في جميع أنحاء العالم، وبالرأسمالية اليهودية المسيطرة وبإمكانيات اليهود الاقتصادية الضخمة ومقدرتهم على التوجيه السياسي، وعلى الأخص في الدول الغربية.”[14] كما تبنت هذه المماهاة بين اليهودية والصهيونية جماعة الأخوان المسلمين، التي ألقت، عقب النكبة، مسؤولية الهزيمة التي لحقت بالعرب على عاتق تحالف “الصليبية المسيحية واليهودية العالمية”، ورأت أنه “في حجر الصليبية [التي] تسيطر على دول الغرب”، نشأت “الصهيونية أو اليهودية العالمية، وكلاهما بمعنى واحد.”[15]

المقاومة الفلسطينية وهدف الدولة الديمقراطية

منذ قيام منظمة التحرير الفلسطينية في سنة 1964، ميّز “الميثاق القومي” بين اليهودية والصهيونية، فرفض “دعوى الروابط التاريخية أو الروحية بين اليهود وفلسطين”، ناظراً إلى اليهودية “بوصفها ديناً سماوياً ليست قومية ذات وجود مستقل”، وإلى الصهيونية بصفتها “حركة استعمارية في نشوئها، عدوانية وتوسعية في أهدافها، عنصرية تعصبية في تكوينها”، واعتبر أن “اليهود الذين هم من أصل فلسطيني يُعتبرون فلسطينيين إذا كانوا راغبين بأن يلتزموا العيش بولاء وسلام في فلسطين.”[16]

وشهد هذا الموقف تطوراً ملحوظاً لدى قيام حركة “فتح” بطرح هدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في سنة 1968، إذ أشارت هذه الحركة في كراسها الأول الموجّه إلى الصحافة الأجنبية في كانون الثاني/يناير 1968، إلى أن نضالها لا يستهدف اليهود كيهود، وإنما يستهدف “النظام الفاشستي-العسكري-الصهيوني”، مؤكدة أن الفلسطينيين يدركون “أنه يوم يرفرف علم فلسطين فوق أرضهم المحررة الديمقراطية المحبة للسلم، ستبدأ حقبة جديدة يعيش فيها الفلسطينيون واليهود مرة ثانية بانسجام وجنباً إلى جنب.” وفي البيان الذي وجهته الحركة إلى هيئة الأمم المتحدة، في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، أشير إلى أن هدف حركة المقاومة الفلسطينية يتمثّل في “تحرير فلسطين بأكملها من الاغتصاب والاحتلال وإنشاء دولة مستقلة ديمقراطية ذات سيادة، يتمتع في ظلها جميع المواطنين الشرعيين، بغض النظر عن الدين واللغة، بحقوق متساوية.” وفي ربيع سنة 1969، أوضح أحد أبرز قادتها، وهو صلاح خلف، أن حق المواطنة في الدولة الفلسطينية الديمقراطية سيكون مكفولاً لكل يهودي “ليس فقط يعمل ضد الصهيونية، بل حتى طهّر نفسه من الأفكار الصهيونية، بمعنى أنه اقتنع بأن الأفكار الصهيونية دخيلة على المجتمع الإنساني.” وبغية المساهمة في تحقيق ذلك، أشار ذلك القائد إلى أهمية إبراز الطبيعة الإنسانية وغير العنصرية للثورة الفلسطينية، بحيث “نوضح حقيقة موقفنا الإنساني من اليهودي كإنسان”، ونقنعه “أننا في حقيقتنا لسنا، كما تصوّرنا الصهيونية، برابرة نريد ذبحه ورمي أطفاله ونسائه في البحر”، ودعا الدول العربية إلى أن تبدي استعدادها “لاستقبال جميع اليهود الذين هاجروا منها إلى فلسطين وأن تُعاد لهم ممتلكاتهم وحقوقهم المدنية كمواطنين عرب في هذه البلاد على قدم المساواة مع المواطنين العرب الآخرين”، واستغلال التناقضات القائمة داخل المجتمع الإسرائيلي، وخصوصاً بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين. وذهبت الفصائل اليسارية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية إلى أبعد من ذلك، إذ قدّرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في سنة 1970، أن التحوّل الاشتراكي والوحدوي في الوطن العربي، سيقدم “الحل الصحيح والديمقراطي لكل القوميات والأقليات، ليس فقط في فلسطين ولكن في جميع المناطق العربية الأُخرى”، وأنه في إطار الدولة التي ستقوم بعد تحرير فلسطين من الصهيونية “سيتوافر حل ديمقراطي للمسألة اليهودية في فلسطين، وسيصير اليهود من مواطني تلك الدولة، لهم ما لغيرهم من حقوق، وعليهم ما لغيرهم من واجبات.” بينما قدّرت الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين، في الفترة نفسها، أنه تكوّن “شعب يهودي” على الأرض الفلسطينية يحق له أن يتمتع بالمساواة التامة في الدولة الفلسطينية الديمقراطية، وأن يطوّر ثقافته القومية، معربة عن رفضها “الحلول الشوفينية والرجعية الصهيونية القائمة على الاعتراف بدولة إسرائيل”، و”الحلول الشوفينية الفلسطينية والعربية، المطروحة قبل حزيران 1967 وبعده، القائمة على ذبح اليهود ورميهم بالبحر”، وداعية إلى إنشاء دولة فلسطينية ديمقراطية شعبية، بعد “إزالة الكيان الصهيوني”، يعيش فيها العرب واليهود من “دون تمييز، دولة ضد كافة ألوان القهر الطبقي والقومي مع إعطاء الحق لكل من العرب واليهود في تنمية وتطوير الثقافة الوطنية لكل منهما.”[17] وفي السنوات اللاحقة، تطورت هذه المواقف، بحيث قبلت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية مبدأ تقسيم فلسطين، وتبنت، بصورة صريحة في سنة 1988، هدف إقامة دولة فلسطينة مستقلة في حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، ثم اعترفت قيادة المنظمة، في سنة 1993، بحق دولة إسرائيل “في الوجود بسلام وأمن”.

تطوّر مواقف حركة “حماس” البرنامجية

ما بين “ميثاقها”، المقرّ في آب/أغسطس 1988،[18] و”وثيقة المبادئ والسياسات العامة” التي أعلنتها في نيسان/أبريل 2017،[19] حدث تطوّر لافت في مواقف حركة “حماس” البرنامجية، عزز طابعها الوطني الفلسطيني الإسلامي على حساب طابعها الإسلامي العالمي. وإذا كان تأثير الكتابات الغربية المعادية للسامية، بما في ذلك الخلط بين اليهودية والصهيونية، جلياً في “ميثاقها”، فإن هذا التأثير غاب عن “وثيقة المبادئ والسياسات العامة”، وهذا ما يتبيّن من خلال المقارنة بين النصين:

يبدأ “الميثاق” بالإشارة إلى أن حركة “حماس” هي “جناح من أجنحة الأخوان المسلمين بفلسطين، وحركة الأخوان المسلمين تنظيم عالمي”، بينما غابت الإحالة إلى جماعة الأخوان المسلمين وإلى “عالمية” حركة “حماس” في “وثيقة المبادئ”، إذ تم تعريف هذه الحركة بأنها “حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية”؛ وإذ أكد “الميثاق” أن أرض فلسطين “أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة”، ذكرت “وثيقة المبادئ” أن فلسطين هي “أرض الشعب الفلسطيني العربي”، التي “أعلى الإسلام مكانتها”. وفي حين اعتبر “الميثاق” أن تحرير فلسطين “فرض عين على كل مسلم حيثما كان” وأنه “في مواجهة اغتصاب اليهود لفلسطين لا بد من رفع راية الجهاد”، أشارت “وثيقة المبادئ” إلى أن تحرير فلسطين “واجب الشعب الفلسطيني بصفة خاصة، وواجب الأمة العربية والإسلامية بصفة عامة، وهو أيضاً مسؤولية إنسانية وفق مقتضيات الحق والعدل”، وأن “مقاومة الاحتلال، بالوسائل والأساليب كافة، حقّ مشروع كفلته الشرائع السماوية والأعراف والقوانين الدولية”، وأن المقاومة “ستظل متواصلة حتى إنجاز التحرير، وتحقيق العودة، وبناء الدولة ذات السيادة الكاملة وعاصمتها القدس.”

أمّا تأثير الكتابات الغربية المعادية للسامية على نص “الميثاق”، فهي جلية لدى تناوله “الموقف من القوى التي تدعم العدو”، إذ يورد ما يلي: “خطط الأعداء منذ زمن بعيد وأحكموا تخطيطهم كي يتوصلوا إلى ما وصلوا إليه… فعملوا على جمع ثروات مادية هائلة ومؤثرة، سخّروها لتحقيق حلمهم؛ فبالأموال سيطروا على وسائل الإعلام العالمية… وبالأموال فجّروا الثورات في مختلف بقاع العالم لتحقيق مصالحهم وجني الثمار، فهم وراء الثورة الفرنسية والثورة الشيوعية ومعظم ما سمعنا ونسمع عن ثورات هنا وهناك؛ وبالأموال كوّنوا المنظمات السرية التي تنتشر في مختلف بقاع العالم لهدم المجتمعات وتحقيق مصالح الصهيونية، كالماسونية، ونوادي الروتاري، والليونز، وأبناء العهد وغير ذلك.” ويتابع “الميثاق”، فيورد ما يلي: “وبالأموال تمكنوا من السيطرة على الدول الاستعمارية، ودفعوها إلى استعمار كثير من الأقطار، لكي يستنزفوا ثروات تلك الأقطار وينشروا فيها فسادهم.. وحصلوا على وعد بلفور، وأنشأوا عصبة الأمم ليحكموا العالم من خلال تلك المنظمة… وهم من خلف الحرب العالمية الثانية، حيث جنوا الأرباح الطائلة من تجارتهم في مواد الحرب، ومهدوا لإقامة دولتهم، وأوعزوا بتكوين هيئة الأمم ومجلس الأمن بدلاً من عصبة الأمم، ولحكم العالم من خلال ذلك.” بيد أن تأثير هذه الكتابات الغربية المعادية للسامية، غاب كلياً عن “وثيقة المبادئ”، التي تؤكد أن حركة “حماس” تؤمن أن الإسلام هو “دين السلام والتسامح، في ظله يعيش أتباع الشرائع والأديان في أمن وأمان، كما تؤمن أن فلسطين كانت وستبقى نموذجاً للتعايش والتسامح والإبداع الحضاري.” كما تؤكد “حماس” أن الصراع مع المشروع الصهيوني “ليس صراعاً مع اليهود بسبب ديانتهم”، وهي “لا تخوض صراعاً ضد اليهود لكونهم يهوداً، وإنما تخوض نضالاً ضد الصهاينة المحتلين المعتدين، بينما قادة الاحتلال هم من يقومون باستخدام شعارات اليهود واليهودية في الصراع، ووصف كيانهم الغاصب بها.” كما “ترفض حماس اضطهاد أي إنسان…، وترى أن المشكلة اليهودية والعداء للسامية واضطهاد اليهود ظواهر ارتبطت أساساً بالتاريخ الأوروبي، وليس بتاريخ العرب والمسلمين ولا مواريثهم.”

خاتمة

ظاهرة “العداء للسامية” ظاهرة غربية، ولدت في الغرب وتجلت، في أسطع مظاهرها، في “المحرقة” النازية التي أودت بحياة ملايين اليهود، ولا صلة للعرب والمسلمين، لا من قريب ولا من بعيد، بهذه الظاهرة، بل يشهد بعض حوادث التاريخ على وقوف شخصيات عربية فاعلة في مواجهتها.

وإذا كان اليهود قد تعايشوا بأمن وأمان، في الدول العربية والإسلامية، مع غيرهم من المسلمين والمسيحيين، ونُظر إليهم على أنهم مواطنون يتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها في هذه الدول، فإن بروز الصهيونية، وتبلور مشروعها الاستعماري والإحلالي في فلسطين، هما اللذان غيّرا هذا المعادلة، وخلقا حالة “عداء” إزاء اليهود، وتسببا في تأثر بعض القوى السياسية، وخصوصاً بعد النكبة، بالكتابات الغربية المعادية للسامية. وبينما لم تترك هذه الكتابات تأثيرها في الفصائل الفلسطينية التي انضوت في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تبنت هدف إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية، فإن حركة “حماس” الإسلامية، التي تأثرت لدى انطلاقتها بهذه الكتابات، نجحت، بعد سنوات، في التحرر منها، بحيث تخلت عن الخلط بين اليهودية والصهيونية، وأرجعت معاداة السامية واضطهاد اليهود إلى التاريخ الأوروبي، بل ذهب بعض قادتها، خلال حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل حالياً على قطاع غزة، إلى التعبير عن قبول هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي التي احتلتها إسرائيل في سنة 1967، بل حتى إبداء النية بقبول مبدأ “الاعتراف” بإسرائيل.

الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية
سنة النشر: 2024

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق