ملخص ورقتي البحثية من تعليم العربية إلى عيش العربية استراتيجيات مبتكرة لبناء علاقة حية باللغة لدى أطفال المهجر ورقة مقدمة إلى المؤتمر الدولي «العربية لأطفال المهجر في العصر الرقمي: الهوية، الابتكار، والذكاء الاصطناعي» جنيف – سويسرا، 20 أكتوبر 2026
الدائرة الإعلامية

من تعليم العربية إلى عيش العربية
استراتيجيات مبتكرة لبناء علاقة حية باللغة لدى أطفال المهجر
ورقة مقدمة إلى المؤتمر الدولي
«العربية لأطفال المهجر في العصر الرقمي: الهوية، الابتكار، والذكاء الاصطناعي»
جنيف – سويسرا، 20 أكتوبر 2026
ملخص البحث للمداخلة الشفوية
من تعليم العربية إلى عيش العربية
استراتيجيات مبتكرة لبناء علاقة حية باللغة لدى أطفال المهجر
الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية
السيدات والسادة،
الحضور الكريم،
ينطلق هذا البحث من سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يمس جوهر قضية العربية لدى أطفال المهجر:
كيف نجعل الطفل يريد العربية، لا أن يتعلمها فقط؟
فكثير من أطفال المهجر ينشؤون في بيئات متعددة اللغات. لغة المدرسة قد تختلف عن لغة الأسرة، ولغة الأصدقاء تختلف عنهما، بينما ترتبط العربية في كثير من الأحيان بالبيت والجذور والذاكرة العائلية.
وهنا لا تكمن المشكلة دائمًا في أن الطفل لا يستطيع تعلم العربية، وإنما في أن العربية قد لا تجد مكانًا كافيًا في حياته اليومية.
قد يعرف الطفل عددًا من الكلمات، ويفهم ما يسمعه من أسرته، وربما يقرأ ويكتب بدرجات متفاوتة، لكنه لا يشعر بالضرورة أن العربية لغة يستطيع أن يتحدث بها عن نفسه، أو عن اهتماماته، أو عن عالمه الخاص.
ومن هنا جاءت الفكرة المركزية لهذا البحث: الانتقال من تعليم العربية إلى عيش العربية.
والمقصود بـ«عيش العربية» ليس التخلي عن التعليم المنظم، ولا التقليل من أهمية القواعد والمفردات والقراءة والكتابة، وإنما وضع هذه المهارات داخل تجربة أوسع؛ تجربة يصبح فيها الطفل قادرًا على استخدام العربية في الحديث، والقراءة، واللعب، والسؤال، والإبداع، والتواصل.
فاللغة لا تصبح جزءًا من حياة الطفل لأنها تُدرَّس له فقط، وإنما لأنها تُستخدم في شيء يعني له شيئًا.
ومن هنا ناقش البحث عددًا من الحدود التي تواجه النماذج التقليدية في تعليم العربية لأطفال المهجر.
فعندما يصبح الكتاب هو البيئة اللغوية الوحيدة، أو عندما يطغى الحفظ على الاستخدام، أو عندما يقاس النجاح بما حفظه الطفل أكثر مما يستطيع أن يفعله باللغة، تصبح هناك مسافة بين اللغة التي يتعلمها واللغة التي يعيش بها.
كما أن النظر إلى التعدد اللغوي باعتباره تهديدًا للعربية قد يزيد المشكلة بدل أن يحلها.
فالطفل متعدد اللغات ليس طفلًا ناقص اللغة، ولا ينبغي أن يشعر بأنه مطالب بالاختيار بين لغاته.
العربية يمكن أن تكون إضافة إلى عالمه، لا عبئًا عليه.
وانطلاقًا من ذلك، يقترح البحث مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن أن تساعد في بناء علاقة أكثر حيوية بين الطفل والعربية.
منها استخدام القصة بوصفها مدخلًا إلى اللغة، والاستفادة من اللعب، والانطلاق من اهتمامات الطفل، وإشراكه في مشروعات صغيرة، وإتاحة مساحة لـالقراءة الاختيارية، وتشجيع الحوار قبل التصحيح، وتحويل الحياة اليومية نفسها إلى مادة لغوية.
فالطفل الذي يحب الرياضة يمكن أن يدخل إلى العربية من هذا الباب، والذي يحب الرسم يمكن أن يكتب قصة، والذي يهتم بالعلوم يمكن أن يتعلم من خلالها، والذي يحب القصص يمكن أن يجد في العربية عالمًا يريد اكتشافه.
وهنا يصبح الطفل شريكًا في بناء تجربته اللغوية، وليس مجرد متلقٍ لها.
أما الأسرة، فهي البيئة الأولى التي يسمع فيها الطفل العربية قبل أن يتعلمها.
ولهذا فإن دورها لا يقتصر على متابعة الواجبات، وإنما يبدأ من الحديث الطبيعي، والقراءة المشتركة، والقصص العائلية، والذاكرة، والمواقف اليومية.
لكن الأسرة لا تستطيع أن تحمل المسؤولية وحدها؛ فالعربية تحتاج إلى أن تمتد من البيت إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى المؤسسة الثقافية، ومن هذه البيئات إلى الفضاء الرقمي.
وفي هذا السياق، تناول البحث البيئة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ولكن بوصفهما أداتين في خدمة العلاقة باللغة، لا غاية في حد ذاتها.
فالتقنية يمكن أن تتيح للطفل الوصول إلى القصص، والتدرب، والتفاعل، وإنتاج المحتوى، كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في بعض صور التخصيص والتدريب.
لكن التقنية لا تستطيع وحدها أن تصنع علاقة الطفل بالعربية.
السؤال ليس: كم تقنية نستخدم؟
بل: ماذا أضافت التقنية إلى تجربة الطفل مع اللغة؟
ومن أهم ما يقترحه البحث أن ينتقل الطفل من مستهلك للمحتوى العربي إلى منتج له؛ فيكتب قصة، أو يسجل قراءة، أو يصنع مادة، أو يقدم فكرة بالعربية.
لأن الطفل حين يصنع شيئًا باللغة، يكتشف أنها ليست لغة آبائه فقط، وإنما لغة يستطيع أن يصنع بها شيئًا يخصه هو.
وفي نهاية البحث أقترح إطارًا يمكن أن يشكل أساسًا لتطوير برامج تعليم العربية لأطفال المهجر، يقوم على خمسة عناصر مترابطة:
اللغة، والحياة، والطفل، والبيئة، والتقنية.
فاللغة تحتاج إلى أن ترتبط بالحياة، والحياة تحتاج إلى الطفل واهتماماته، والطفل يحتاج إلى بيئة داعمة، والتقنية يمكن أن توسع هذه البيئة إذا استُخدمت بوعي.
ومن هنا أصل إلى الخلاصة الأساسية:
لا نحافظ على العربية لدى أطفال المهجر بكثرة ما نعلّمهم منها، وإنما بقدر ما نمنحهم من أسباب ليعيشوها.
فالطفل لا يحتاج إلى عربية تحاصره، وإنما إلى عربية ترافقه.
عربية تحفظ جذوره، لكنها في الوقت نفسه تتسع لعالمه الجديد، ولغاته الأخرى، واهتماماته، وأدواته الرقمية، وأحلامه المستقبلية.
وعندما تصبح العربية لغةً للحديث، والقراءة، واللعب، والإبداع، والذاكرة، والمستقبل، فإنها لا تبقى لغةً يتعلمها الطفل فقط، بل تصبح لغةً يعيش بها.
وشكرًا لكم



