
الحنين بين ذاكرة الماضي ونداء المستقبل
بقلم / فاطمة عقل
الحنين شعور إنساني عميق يسكن داخل كل إنسان فهو ليس مجرد عودة إلى ذكريات مضت أو اشتياق إلى أشخاص وأماكن تركت أثرها في القلب بل هو ذاكرة تحمل أجمل ما مر بنا وصوت داخلي يقودنا أحيانا نحو أحلام وأمنيات ما زالت تنتظر دورها في الحياة
فالإنسان لا يعيش باللحظة فقط بل يحمل معه رصيدًا من المشاعر والصور والأصوات التي صنعت جزءًا من وجدانه ولهذا نجد أن بعض الذكريات لا تمر عليها السنوات بل تظل حاضرة وكأنها تعيش معنا
ومن أجمل صور الحنين تلك الذكريات المرتبطة بالزمن الجميل وبالأيام الحلوه التي كانت تحمل البساطة والدفء ومن بينها ذكريات رمضان زمان حين كانت البيوت تجتمع حول مائدة الإفطار وتنتظر مدفع الإفطار وتعيش روحانية الشهر في أجواء مليئة بالمحبة والسكينة
ولا يمكن أن نذكر رمضان زمان دون أن تعود إلى الذاكرة أصوات المقرئين العظام الذين تركوا بصمة لا تنسى في قلوب الناس أمثال الشيخ محمد رفعت والشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ محمد صديق المنشاوي والشيخ محمود خليل الحصري فكانت أصواتهم لا تصل إلى الآذان فقط بل كانت تصل إلى الأرواح وتحمل معها الطمأنينة والخشوع
كما أن الحنين يرتبط أيضا بما صنع وجدان جيل كامل من برامج هادفة جمعت بين العلم والثقافة والقيم مثل برنامج العلم والإيمان للدكتور مصطفى محمود الذي جعلنا نتأمل أسرار الكون وعظمة الخالق بأسلوب يجمع بين العلم والفكر وأحاديث الشيخ محمد متولي الشعراوي التي كانت تدخل البيوت فتقرب المعاني الدينية إلى القلوب بلغة بسيطة وعميقة وبرامج عالم البحار التي فتحت أمامنا نوافذ على عالم مليء بالأسرار والجمال
ولا ننسى برنامج حياتي للإعلامية فايزة واصف الذي كان صوتا للأسرة المصرية يناقش المشكلات الاجتماعية والإنسانية بصدق ووعي فلم يكن مجرد برنامج بل كان مساحة للحوار والبحث عن الحلول
الابتهالات بصوت الشيخ النقشبندي التي ارتبطت بالوجدان مثل “مولاي” التي تحمل إحساسا روحانيا عميقا فبعض الكلمات والأصوات لا تكون مجرد فن نسمعه بل تصبح جزءا من ذاكرتنا ومرآة لمشاعر عشناها والحنين ليس مرضا كما قال البعض بل هو عاطفة إنسانية طبيعية تؤكد أن الإنسان يحمل بداخله تاريخا من المشاعر والتجارب التي صنعت شخصيته فنحن لا نشتاق إلا لما ترك أثرًا حقيقيا في أرواحنا
لكن الحنين قد يتحول إلى ألم إذا أصبح الإنسان أسيرا للماضي يعيش فيه ويرفض حاضره ولا يرى جمال الأيام القادمة فهناك فرق بين أن نتذكر الماضي بابتسامة وامتنان وبين أن نتوقف عنده ونشعر أن الحياة لم تعد تحمل جمالا بعده
فمن الجميل أن نتذكر بيت العائلة القديم وضحكات الطفولة ولمة الأحباب وأصوات رمضان وبرامجه الجميلة فنشعر بالدفء أما أن نظل أسرى لما مضى ونرفض كل جديد فهذا يجعل الحنين عبئا بدل أن يكون نعمة
فالحنين يشبه الضوء يضيء الطريق إذا حملناه بحب لكنه قد يحجب الرؤية إذا بقينا ننظر فقط إلى الخلف
وبرغم أن الحنين غالبا يرتبط بالماضي فإن القلب قد يحن أيضا إلى المستقبل فالإنسان لا يشتاق فقط إلى شيء فقده بل قد يشتاق إلى شيء يحلم به ولم يصل إليه بعد
فالأم التي تتخيل أبناءها ناجحين وسعداء تحمل حنينا إلى مستقبل لم تعشه بعد والكاتب حين يبدأ عملا جديدا قد يشتاق إلى لحظة اكتماله والفنان قد يحلم بصورة لم يرها أحد بعد
فالحنين ليس دائما صوتا يأتي من الخلف بل قد يكون نداء يدفعنا إلى الأمام ويمنحنا القوة لنكمل الطريق
والحنين يحمل وجهين فهو قد يوقظ فينا الحزن لكنه في الوقت نفسه من أعظم مصادر الإلهام فكم من قصيدة ولدت من ذكرى وكم من لحن خرج من إحساس بالاشتياق وكم من عمل فني صنعه إنسان لأنه أراد أن يحتفظ بلحظة جميلة
فالكاتب حين يستعيد ذكرى لا يعود فقط إلى الألم بل يحول شعوره إلى كلمات تبقى والفنان يحول إحساسه إلى جمال يصل للآخرين
فالفرق ليس في الحنين نفسه بل في الطريقة التي نحمله بها فإذا حملناه بحزن فقط أصبح سجنا للماضي أما إذا مزجناه بالأمل أصبح طاقة للإبداع والحياة
وملخص الحنين فهو ليس مجرد رحلة إلى الوراء بل هو جسر يصل بين ما عشناه وما نحلم به هو أصوات ووجوه وأماكن وبرامج وأيام صنعت داخلنا جزءا لا يموت
فبعض الأشياء نفتقدها لأنها رحلت وبعضها نشتاق إليها لأنها ما زالت تعيش في القلب وبين ذكرى الأمس وأمل الغد يبقى الإنسان يحمل أجمل ما فيه وهو القدرة على أن يحفظ الجميل ويصنع الأجمل
فالذكريات لا تعيد الزمن لكنها تمنحنا دفء المعنى وتذكرنا بأن كل لحظة صادقة عشناها تظل نورا يرافقنا في الطريق لتستمر الحياة .
عناية مكتب القاهرة مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة شاعر الأمة محمد ثابت




