الرئيسيةمقالات

تمثلات الهوّيّة في بعض المؤلفات التّونسية المعاصرة

د.عبد اللطيف عبيد/ تونس

1- المقدمة 

تعدّ مسألة الهوّيّة من أبرز القضايا التي شغلت الفكرالتّونسي المعاصر، خصوصًا منذ مرحلة استقلال البلاد وما رافقها من جهود لإعادة بناء الذّات الوطنية وتحريرالوعي من آثار الاستعمار الثّقافي والسّياسي. وقد تباينت المواقف الفكرية حول هذه القضيّة بين اتجاه متمسّك بالهوّيّة العربيّة الإسلامية الجامعة، وآخريسعى إلى إبراز خصوصيّة الهوّيّة التّونسية بوصفهاهوّيّة متفرّدة تتفاعل مع المحيط العربي دون أن تذوب فيه. كما يبرز اتجاه ثالثوإن كان أقلّ حضورًايستندإلى الجذور الأمازيغية لبربريّة) ويستحضر المكوّناتالفينيقيّة والرّومانيّة القرطاجيّة في تشكيل الهوّيّة وقد يتغافل أو يناهض المكوّن العربي أو العربي الإسلامي. وفي العقود الأخيرة برز أيضا اتجاه رابع يرى هوّيّة التّونسيّين إسلاميّة أو إسلاميّة عربيّة وأنّ ما سوىذلك دخيل عليها وتشويه لها وبالتّالي لا يعتدّ به ولا يمكناعتماده في إدارة شؤون المجتمع والدّولة.

ولا يزال النّقاش دائرا بين التّونسيين حول مسألةهوّيتهم، سواء في الخطاب الإعلامي أو السّياسيّ أوالثّقافي أو الفكري والفلسفي. وقد اتّسع مجال هذاالنّقاش، في الأعوام الأخيرة، فشمل أيضا “الهوّيّةالجينيّة التي نالت نصيبها من البحث المختبري والتّأليف الأكاديمي.

وتسعى هذه الورقة إلى رصد وتحليل تمثّلات الهوّيّة في كتب عدد من المؤلّفين التّونسيين الذين اهتمّوا بهذهالمسألة اهتمامًا خاصًّا وتناولوها بالبحث والدّراسة فيبعد أو أكثر من أبعادها التّاريخية والاجتماعية الثّقافيةوالسّياسية والإيديولوجيّة والفلسفيّة، وأسهموا في الوعي الثّقافي الوطني، مثل الزعيم علي البلهوان ورجل الدّولة الهادي البكوش وعالم الاجتماع سالم لبيضالخ.

وستعنى هذه الورقة بدراسة كيفيّة تفاعل هؤلاء المفكّرين مع القضايا المتصلة بالهوّيّة في سياقاتها التّاريخية والفكريّة والسّياسية مثل الأمازيغية،والفرنكوفونية، والتعريب، والوطنية، والعلاقة بالغرب ... الخ. كما تسعى إلى إبراز الكيفيّة التي يعيد بها الكتاب العربي إنتاج أسئلة الهوّيّة في تونس ويسهمفي بناء وعي ثقافي داخل الفضاء المغاربي والعربي

2- إشكالية البحث 

كيف تتجلّى تمثّلات الهوّيّة في المؤلّفات التّونسيةالمعاصرة؟ وما الأطر الفكريّة والمرجعيّات الثّقافيّةالتي يستند إليها الكتّاب والمفكّرون التّونسيّون فيمقاربتهم لمسألة الهوّيّة ضمن سياق تتقاطعفيه العروية، والإسلام، والفرنكوفونيّة، والأمازيغيّة،والماضي الفينيقي القرطاجي، والانتماء الإفريقي؟ ومامدى توفيقهم في التّمييز بين الحقائق الموضوعيةوالمواقف الذّاتية والإيديولوجية وكذلك بين الهوّيّةباعتبارها تاريخا ممتدا في الحاضر من جهة ومشروعامجتمعيّا مستقبليّا من جهة ثانية؟ 

3- أهداف البحث 

نسعى في هذه الورقة إلى تحقيق الأهداف التالية

1- تحلیل تطوّر الخطاب حول الهوّيّة في الفكر التّونسي المعاصر.
2- إبراز تنوّع المواقف الفكريّة تجاه مكوّنات الهوّيّة(العربيّة، الإسلاميّة، التّونسية، الأمازيغيّة… ).
5- الكشف عن علاقة الهويّة والمقاربات التي اعتمدهامؤلّفو الكتب التّونسيّة المدروسة بالتّحوّلات السّياسيّة والثّقافيّة في السّياق الوطنيوالمغاربي والإقليمي عموما .
8- دراسة الكيفيّة التي يعيد بها الكتاب العربي إنتاج أسئلة الهوّيّة في تونس. 

وستعتمد الورقة المنهج التّحليلي المقارن من خلالقراءة نصوص مختارة لعدد من المؤلّفين التونسيين،مع تحلیل الخطابات الفكريّة والثّقافية التي تناولت مسألة الهوّيّة، واستجلاء المرجعيّات التي ننطلق منهاوكيفيّة توظيفها في بناء تصوّر وطني وثقافي للذات

4- الهوية في الفكر التونسي المعاصر

4-1- في تعريف الهوّيّة عامّة 

حظيت الهوّيّة، في زمن العولمة وبعد انتهاء الحرب الباردةوتهاوي الأنظمة الشّموليّة، باهتمام 

كبير في علوم الاجتماع والثّقافة والإناسة(الأنثروبولوجيا) والقانون والسّياسة وحتّى الجغرافياوعلم الوراثة. وقد عرّفها الدّارسون تعريفات كثيرة رجعوافيها إلى الفلاسفة الأقدمين وإلى تاريخ القوميّات والدول والمجتمعات وواقعها الرّاهن. وعلى الرّغم من أنمفهوم الهوّيّة مفهوم خلافي وخاصّة بسبب المزج بين الهوّيّة الثّقافيّة والهوّيّة السّياسية وما ترتّب على ذلك من مطالبات بإنشاء كيانات لهويّات إثنية وطائفيّةودينيّة، فإنّنا قد نتبنّى التعريف التالي الذي يرىأنّ مفهوم الهوّيّة يرتبط بتعارف جماعة معيّنة على أنهّامجموعة متجانسة، إثنيّا أو محليّا أو مهنيّا أو دينيّا أوقوميّا. فهي وعي بالذّات والمصير التّاريخي الواحد من موقع الحيّز المادّيّ والرّوحيّ، ويمكنها أن تحدّد توجّهات النّاس وأهدافهم، وتدفعهم إلى العمل معا في تثبيتوجودهم ، والمحافظة على منجزاتهم، وتحسين وضعهمفي التاريخ. إنها إحساس الإنسان، ووعيه بالانتماء إلى مجتمع أو أمّة أو جماعة. إنّها معرفتنا بها، وأين نحن، ومن أين أتينا، وإلى أين نمضي، وما نريد لأنفسنا وللآخرين، والموقع في خريطة العلاقات والتناقضات والصّراعات القائمة .

ومن البديهيّ أنّ الهوّيّة حالة دائمة من التّطوّروالتّكوّن والتّحوّل، أي إنّها كينونة مستمرّة شكلاومضمونا، وأنّها نسبيّة وليست أزليّة، وهي منفتحةقابلة للتعديل والتّكيّف والتّفاعل مع الهويات الأخرىوأنّ للهوّيّة علاقة بالسّلطة، إذ السّلطة تمتلك القوّةالرمزيّة التي تجعل الآخرين يعترفون بمقولاتهاالمتعلّقة بتصوّر الواقع الاجتماعي. ومنذ ظهور الدّولةالأمّة أصبحت الهوّيّة شأنا من شؤون الدّول التي أصبحت تسعى إلى ما بات يعرف بتوحيد الهوّيّة وفرضالهوّيّة الواحدة التي تكون مهيمنة على سائر هوّيّاتالبلد متعدّد الهوّيّات، وذلك خاصّة عبر توحيد النّظم والقوانين والرّموز وكذلك عبر نشر ثقافة واحدة باعتبار أنّ “الثّقافة هي الوعاء الذي يستوعب ويجسّد الهوّيّة،وهي التي تعبّر عن الشّعور بالانتماء . ومنأهمّ مكوّنات الثّقافة وأقواها أثرًا في تشكيل الهوّيّة اللّغة والدّين اللذان تكاد ترتبط بهما مختلف الانتماءاتوالعلاقات الأخرى، مثل الوطن والأرض، وكذلك الدّولة،ناهيك عن العادات والتّقاليد والأعراف والقيم والأخلاق وكثير من السّلوكيّات الفرديّة والجماعيّة  .

4-2- في الإطار التّاريخي والإشكالي لمسألةالهوّيّة في الفكر التّونسي المعاصر

صدرت الكتب موضوع البحث بتونس خلال فترة حسّاسةمن تاريخ البلاد هي سنوات ما قبل الاستقلال في 1956والتّأهّب لخوض الكفاح المسلّح ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، ثمّ عهد بناء دولة الاستقلال ) الدّولة البورقيبيّة) وإلى تنحية الزّعيم الحبيب بورقيبة عن الحكم في1987 ، ثمّ ما بعد ذلك إلى ما قبل قيامالثّورة في سنة 2011

وقد تأثّرت تمثّلات ومقاربات الهوّية لدى المؤلّفينالتّونسيين الذين تهتمّ هذه الورقة بكتبهم بالظّروفوالاختيارات السّياسيّة والثّقافيّة والفكريّة التي نشؤوا فيها وتفاعلوا معها وأثروا فيها، وبهذا الطّرح أوذاك من بين مختلف الطّروحات التي كانت سائدةومتفاعلة بل متعارضة أحيانا زمن تأليفهم

وفي دولة الاستقلال كانت النّخب الفاعلة والجهاتالمؤثّرة – وفي مقدّمتها وعلى رأسها السّلطة الحاكمةالمتمثّلة في الرّئيس الحبيب بورقيبة وحكومته وأغلبفصائل حزبه والمنظمات الوطنيّة المتحالفة معهمتيقّظةمتنبّهة إلى موضوع الهوّيّة الوطنيّة والكيفيّات التيينبغي أن تتعامل بها مع هذه القضيّة، خاصّة وأنّصراعا داخليّا قد اندلع بسبب موقف بعض رفاقالحبيب يورقيبة من اتفاقيات الاستقلال الدّاخلي سنة 1955 وتوخّيه سياسة المراحل في التّفاوض مع المحتلّ ،وكان من أسلحة هذا الصراع اتّهام بورقيبة بمهادنة الاستعمار والخروج عن الصفّ العربي والمغاربيوالتّنكّر للهوّيّة ومعاداة الزيتونة. كما أنّ مشاحنات وتهما متبادلة بل قطيعة استمرّت لبضع سنوات بين الزّعيمينالحبيب بورقيبة وجمال

عبد النّاصر في العقد الأوّل من استقلال تونس قد خلقتلدى شقّ كبير من التّونسيين ونخبهم موقفا محترزًا جدّامن العروبة وإيديولوجيّتها. وقد كان خطاب الرّئيس بورقيبة في أريحا في مارس 1965 والذي دعا فيه الفلسطينيين إلى التّمسّك بقرارات الأمم المتحدة والمطالبة بتطبيقها أوّلا ثمّ المطالبة بعد ذلك ببقيّة حقوقهم الوطنيّة المشروعة عملا بـ “ سياسة المراحل التيطبّقها في كفاحه ضدّ الاستعمار الفرنسي،ردود فعل سلبية متشنّجة قابلها الرّأي العامّ التّونسيبتمجيد الزّعيم المجاهد الأكبر، وازداد تمسكا بـ”الوحدة القوميّة” التي ما فتئ الزعيم يؤكّد عليها، كماازداد انكفاء على هوّيّته الوطنية وربمّا نفورًا منالعروبة النّاصريّة والإيديولوجيّة. إنّ هذه الأحداثوغيرها قد عجّلت بالسّلطة التّونسيّة الحاكمة إلىتأطير النّقاش حول الهوّيّة التّونسيّة وعلاقتهابالعروبة، وإلى توجيه الرّأي العامّ نحو الوجهة التيارتضاها بورقيبة وهي نحت كيان تونسي حداثيّ يتجهإلى الغرب المتقدّم علميّا وصناعيّا وتنظيميّا ويبقي على العلاقة مع العالم العربي في حدودها الدّنيا،كما يضع يده على المؤسّسة الدّينيّة ويلغي التّعليم الزّيتوني التّقليدي في إطار توحيد النّظم التّعليميةبمفعول قانون نوفمبر 1958 ويحيّد شيوخ “الجامع الأعظم” ويلغي الأحباس (الأوقاف) ويجعل الدّولة المسؤولة الأولى عن الشّؤون الدّينيّة ، بل يسمحلنفسه بتأويل بعض النّصوص والأحكام الدّينيّة بما يراهفي صالح المجتمع والنّاس وشؤون دنياهم، مثل إلغاء تعدّد الزّوجات بمقتضىمجلّة (قانون) الأحوالالشّخصيّة الجديدة الصّادرة في 13 أغسطس 1956 أي بعد أشهر قليلة من الاستقلال، ومثلما حصل أيضا في موقفه من جواز إفطار رمضان إذا ما تعذّر علىالصّائم أداء عمله و الإسهام في الجهاد الأكبرالخ .

وتحقيقًا لغرض تأطير النّقاش حول الهوّيّة التّونسيّةوتوجيهه، كان من بين المبادرات التي اتخذتها الدّولة التّونسية ومؤسّساتها الرّسمية عقد ملتقيات وندوات(مؤتمرات) علميّة وفكريّةفي الغرض منها مؤتمرانكبيران نظمهما سنة 1974 و1978 مركز الدّراساتوالأبحاث الاقتصاديّة والاجتماعيّة بالجامعةالتّونسيّة، وكان موضوعهما كالآتي

1- الذّاتية الثّقافيّة والضمير القومي داخلالمجتمع التونسي
2- الذّاتية العربيّة بين الوحدة والتّنوّع

وقد انعقد المؤتمر الأوّل بدار الثّقافة ابن خلدون بالعاصمة التّونسيّة يومي 18 و 19 مارس 1974 ، وشارك فيه باحثون وعلماء من تونس والخارج، وافتتحهالرّئيس بورقيبة نفسه بخطاب مطوّل (23 ص) نشر ضمن وقائع المؤتمر، وهو ما يدلّ على أهميّة الموضوعوحساسيّته لدى المجاهد الأكبر الذي عبّر عن اعتزازهبحضور هذا المؤتمر الذي يهتمّ  بـ”الشّخصيّة التّونسيّة وأصالة الفكرة الوطنيّة التّونسيّة عبرالتاريخ، وكيف تطوّرت هذه الفكرة حتى آلت إلى ما نحن فيه الآن أي إلى قيام دولة مستقلّة تعمل جاهدة على تغذية تلك الشّخصيّة التي کافحنا من أجل الحفاظعليها وبقائها حيّة نامية بعد أن كانت مهدّدة بالفناءوالمسخ (…). والمعروف عن تونس منذ أقدم العصور أنّهاكانت دائما شديدة الحفاظ على شخصيّتها حتّى فيالعهود التي تفرض فيها عليها لغة جديدة وتحمل علىاعتناق دين جديد عليها، بل ربّما استثمرت ذلك التّديّن وتلك اللّغة الدّخيلة لتكوّن لنفسها شخصيّة طريفة تمتاز بها عمّا سواها…”.

وفي هذا “الخطاب المنهجيّ”، أكّد الزّعيم أنّ” تونسمحافظة على شخصيتها منذ القديم، وأنّأساس النّهضة هو الشّعور بالكرامة المترتّبة علىالاستقلال والسّيادة، وأنّ الشّخصيّة التّونسيّة شخصيّة نامية قابلة للتّطوّر، لذلك يجب صيانة هذهالشّخصيّة التي هي في الأصل بربريّة لا محالةلكنّها تطوّرت على مرّ الأزمان، وأثّر فيها الغزو الروماني ثمّ الغزو البيزنطي وأصبحت بعد ذلك عربيّة النّزعة لأنّالدّين الذي جاء به العرب كان قوامه كما قُلت العملوالإنصاف والدّعوة إلى الخير إلى غير ذلك من التّعاليمالقيّمة التي لم یكن البربر يعرفونها في الأديانالأخرى …”.

وحذّر الزّعيم المواطنين سوء عاقبة التّشتّتوالتناحر والتّطاحن، وتطرّق إلى “شروط الحفاظ على شخصية الشّعب (…) والتي أساسها السّيادة التي ينبغي أن تكون بید الشّعب …” إضافة إلى أن يكونالمواطن معتّزا بالانتماء إلى الشعب الذي هو منه وإليهومستطيبا الحياة التي يحياها بما يهوّن عليه الكفاحوالجهاد في سبیل منعة وطنه والحفاظ على مقوّماته .أمّا المؤتمر الثّاني فقد عقده المركز الجامعي نفسه من12 إلى 17 أبريل 1978 وشارك فيه مؤرّخونوأكاديميون من تونس ومصر تحديدا، وافتتحه محمد مزالي وزير التّربيّة التّونسيّة آنذاك ورئيس الحكومةفيما بعد والمشهور بولائه لبورقيبة لكن أيضا بمواقفه الإيجابيّة المعتدلة من العروبة والثّقافة العربيّة،وهو أحد دعاة تعريب تدريس العلوم في التّعليم العام والتّعليم الجامعي. وفي حضور عضو الحكومة التّونسيّة وأحد كبار المقرّبين من بورقيبة في ذلك الوقتوإلقائه هذه الكلمة الافتتاحية للمؤتمر دلالة على ماتوليه السّلطة التّونسيّة لمسألة الذّاتية (الهوّيّة) منأهميّة واهتمام ويقظة خدمةً لـ”الوحدة القوميّة) الوطنية) وصيانة لمناعة الوطن وحرصا أيضا علىالأخوّة والتّعاون بين تونس ومصر.

ویرى محمد مزالي أنّ قضيّة التّعرّف على الذّاتالقوميّة والنّظر في مصير الأمة العربية أي الشّعوب التي منها تتكوّن المجموعة العربيّة الإسلاميّة () قضيّة هامّة يعنى بها القادة الشّرفاء والمسؤولون الأمناء، أولئك الذين يواجهون المسائل المصيريّةويسعون إلى توجيه 

شعوبهم الوجهة الصّحيحة لتركيز شخصيّتها وضمانمناعتها وتحقیق ازدهارها، وفي خطاب محمد مزاليصدًى لبعض ملامح الوضع الثّقافي والسّياسيالتّونسي كتنامي الحركات الشّيوعية واليسارية المناوئةللسّلطة الحاكمة من الذين لم يفلحوا في وضع هذهالأمّة في مدار حضاري غير مدارها الأصيل العربيّالإسلاميوهيهات أن يوفق اليوم محترفو السّياسةإلى إقحام هذا الشّعب في اتجاه غير الاتجاه القويمالذي تقتضيه النّظرة الثّقافية الصائبة المؤمنةبحقيقة تونس الوجوديّة وخصائصها العربيّةالإسلاميّة الإنسانيّة الباقية .

وقد جاءت كلمة محمّد مزالي مطوّلة أيضا (14 صفحة)،ويمكن اعتبارها وثيقة مهمّة عن الفكر التّونسي ذي التّوجّه الحضاري العربي الإسلامي الذي يعدّ توفيقيّاوأكثر اعتدالاً من الفكر البورقيبي وإن كان لا يخرج عن جوهره.

ولئن برزت مسألة الهوّيّة التّونسيّة مع الحركة الوطنيةلتحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي وخاصة منذ سنة 1934 تاريخ تأسيس الحزب الحرّ الدّستوري الجديد الذي قاد البلاد إلى الاستقلال ثمّ في مرحلة بناء الدّولة الجديدة بداية من 1956، فإنّها – في الواقع، قد بدأت بالبروز قبل ذلك وخاصّةً منذ أواسط القرن التّاسع عشر عندما شهدت البلاد نزوعًا إلى التّخلّص من التّبعيّة للخلافة العثمانية التي لم تكن علاقة الإيالة التّونسيّةبها إلّا علاقة شكليّة. وفي حديث المؤرّخ التّونسي توفيق البشروش عن القومية التّونسيّة في تونس قبل الحمايةيرى أنّه قد انبثقت الأمّة التّونسيّة إثر تصدّع الإمبراطوريّة العثمانيّة، وفعلا فإنّ تونس – مثل إلايالات الغربيّة الأخرى – قد ابتعدت عن السّلطة المركزية منذ أواخر القرن السادس عشر …” ، وأنّ “التّبعيّة السّياسيّة قد ارتخت كذلك إلى أن أصبحت الإيالة شبه مستقلة ، لكنّ ذلك لم يضعف العلاقة الرّوحيّة بالخلاقة وبما ترمز إليه من أخوّة ووحدة تحت راية الإسلام.

ويرى المؤرّخ التّونسيّ خليفة شاطر أنّ تونس كانت تتمتّع بحرّيّة التّصرّف وباستقلال فعلي لا شك فيه،وهي لا تشكّ في انتمائها الرّوحي إلى الخلافة العثمانيّة والسّلطة الإسلامية العليا. وهكذا فإنّالشّعور السّائد بتونس في القرن التّاسع عشر أنّدعوى الاستقلال (عن الدّولة العثمانية) خروج عن رِبْقةالطّاعة الواجبة شرعا وسياسة، وهي فُرقة وخروج عن اللحمة الإسلاميّة)، .إنّ الأحداث التي عاشتها تونس أثناء القرن التّاسع عشر كانت تدعم شعور الانتماءإلى الأمّة الإسلاميّة والخلافة العثمانيّة ولم تكنالمشاكل القائمة بين بعض البايات والسّلاطين تغيّرُ جَوْهَرَ القضيّة لأنّ خطر التّسرّب الأوروبيّكان.يغذّي شعور التّضامن بين أفراء الأمّة الإسلاميّة…” .

وهذه النّزعة الاستقلاليّة لدى بايات (ملوك) الدّولة الحسينيّة وما ترتّب عليها من تبلور الهوّيّة التّونسيّةوزيادة تأكيدها قد تزامنت مع زيادة ضبط الهوّيّةالتّرابيّة أي الكيان أو المجال الجغرافي التّونسي الذي كانت ملامحه شبه ثابته منذ القرون الأولى للفتح وتشمله “إفريقيّة التي كانت القيروان عاصمتها الإسلاميّة الأولى. ويتحدّث المؤرخ نور الدّين الدّقّي عنالسّيادة التّرابيّة، فيرى أنّه قد تحدّدت منذ القرنالثامن عشر ملامح الذّاتيّة التّونسيّة بصفة شبه نهائيّة من خلال ضبط القاعدة التّرابيّة للبلاد، وتشكّل كيان سياسيّ تعبّر عنه دولة شبه وطنيّة لها نفوذ كامل على المجتمع (...). والمعلوم أنّ المجال التّرابي التّونسي أخذ شكله النّهائي منذ القرن السابع عشر (…). ولعلّأهمّ نتيجة لترسيم الحدود هي ضبط مجال اختصاص كلّ دولة، وتثبيت السّكان والتّشديد في مراقبتهم، ما أحدث أمرًا واقعًا جديدًا، وفرض قيودًا على تنقّلاتهم.والواقع أنّ إقامة حدّ فاصل بين هوّيتين مختلفتين لم يكن سوى تكريس لوضع سابق قام على أساس جبائي منذ القرن السّابع عشر. أمّا نتيجة هذا الواقع الجديد على السّكان فهي إعطاء بعد آخر لانتماء الأفراد وخاصّة رجال القبائل، وهو الارتباط بالأرض”.وسيكون لاحتلال الجزائر سنة 1830 دور كبير في ضبط حدود إيالة تونس من النّاحية الغربيّة، وهي حدود أصبحت تفصل بين الأرض الإسلاميّة وبلاد الرّومي” أي الإفرنجي من غير أهل الملّة.

وبالإضافة إلى الاستقلاليّة الإداريّة والسّياسية لا الرّوحيّةعن الخلافة العثمانيّة وتحقّق السّيادة التّرابيّة اللتين أسهمتا، إلى حدّ كبير، في رسم معالم الهوّيّة الوطنيّة للبلاد التّونسيّة في القرن التّاسع عشر، فإنّ إصلاحات ومبادرات ومنجزات تحديثيّة عديدة على النّمط الغربي قد تمّت في أواسط هذا القرن وأكسبت الهوّيّة التّونسيّة خصائص أخرى تميّزها، وكان من روّاد هذه الحركة التّحديثيّة ملك تونس أحمد باي (1806-1855) ثمّ المصلح والوزير الأكبر خير الدين باشا (1822 1890).

عرف أحمد باي بحرصه على استقلال تونس، وكان متشبّعا بالفكر التّحديثي، متفتّحا على أوروبا،. ومن إصلاحاته إلغاء الرق، وإبطال العمل بالنّظام المفروض على اليهود، وإصلاح التّعليم الزّيتوني، وتأسيس جيش عصري ومدرسة عسكريّة على النّمط الأوروبي لتخريجالضّباط ، وتركيز صناعات للبارود وغيره لتأمين حاجيات الجيش، وبعث نواة صناعة محليّة، وکان فيذلك متأثرا بتجربة محمد علي الإصلاحيّة وحريصا على اقتفاء أثر التّنظيمات العثمانية ، وكانت الإيالة التّونسيّة قد اعتمدت قبل ذلك (1831 ) راية خاصّة بها.

ومن أهمّ ما أنجز بعد وفاة أحمد باي إصدارعهد الأمان (1857) الذي تطوّر إلى الدّستور التّونسي سنة 1861 ثمّ وقع تعطيله بعد ذلك. أمّا الإصلاحات التي تمّت على يد خير الدّين باشا (أو خير الدّين التّونسي) وبعض زملائه من خرّيجي المدرسة العسكريّة وخاصّة أثناء تولّيه الوزارة الكبرى (1873 1877) فمن أهمّها إنشاء أوّل مدرسة تونسيّة عصريّة هي المدرسة الصّادقيّة (1875) التي سيكون لها شأن عظيم في تأهيل النخب الحداثيّة وتشكيل هوّيّةالتّونسيين .

وعلى الرغم من الأثر الإصلاحي التّحديثي الإيجابي في عمومه فإنّ أوضاع البلاد السّياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة قد كانت سيّئة، وازداد ارتباط اقتصاد تونس بالدّول الأوروبيّة ممّا مهّد للاستعمار الفرنسي وفرض معاهدة الحماية في 12 مايو 1881، وهو ما يعدّ حدثاً مفصليًّا في تاريخ البلاد على المستويات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة واللغويّة، ومقدّمة لصراع حول هوّيتها، وسببا في شرْخ كبير يأبى أن يلتئم .

4-3- تمثلات الهوّيّة في الكتب التّونسيّة المدروسة

ندرس تمثّلات الهوّيّة ومقاربات المؤلفين التّونسيين لها من خلال أربعة كتب صدر أوّلها سنة 1950 أي قبل سنوات قليلة من الاستقلال وأثناء الكفاح الوطني لتحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي (هو كتاب الزّعيم على البلهوان: نحن أمّة ) وصدر آخرها سنة 2009 أي قبلسنتين من الثّورة التّونسيّة في 2011 (عالم الاجتماع سالم لبيض: الهويّة: الإسلام، العروبة، التـونسة).

وهذه الكتب عربيّة اللغة وليست مترجمة إليها، وهي موجّهة إلى القارئ التّونسي أساسا والعربي عامّة. وليست هذه الكتب – على شهرتها عند كثير من المثقفين التّونسيّين – هي الوحيدة التي تناولت مسألة الهوّيّةالتّونسيّة الجماعية أو الفردية (أو الشّخصيّة التّونسيّةأو الذّاتيّة التّونسيّة) بالدرس؛ فهنالك كتب عربيّة أخرى مهمة لا يسمح ضيق المجال بتحليلها ، وهنالك مقالات وفصول من كتب ورسائل جامعيّة غير منشورة لم ندرجها ضمن هذا البحث وإن كنّا اطلعنا على الكثير منها. وقد انعقدت ندوات ومؤتمرات عديدة في الموضوع أو في بعض جوانبه أو ما يتّصل به (كالتّعريب، والعلمانيّة، والحداثة، والغزو الثّقافي … الخ)، وقد أشرنا إلى مؤتمرين منها لما لهما من أهميّة خاصة علميا وسياسيّا .

وهنالك كتب ذات صلة متينة بموضوع هوّيّةالتّونسيّين، ألّفها أصحابها بالفرنسيّة واستهدفوا جمهور الأکادیمیّين أو الجمهور الأجنبي ، وقد استبعدناها الآن وإن كان بعضها قد نقل إلى العربيّة .

وبما أنّ مسار التّاريخ وأحداثه وتحوّلاته واتجاهاته من أهمّ المداخل لتنزيل تمثّل الهوّيّة لدى هذا المؤلّف أو ذاكفي إطاره الصّحيح ولتبيّن مدى بناء اللّاحق على السّابق أو القطيعة معه (الاتصال والانفصال) فقدآثرنا اعتبار هذا التّدرج التاّريخي، ما أمكن، في دراسة الموضوع

-1-3-4 الهوّيّة المقاومة .. والجهاد الأصغر

مقوّمات الهوّيّة التّونسيّة الصّامدة في وجه الاستعمار والمقاومة له هي المحور الأساسي الذي ركّز عليه الزّعيم علي البلهوان في كتابه “نحن أمّة، الصّادر سنة 1950 في عهد الكفاح ضدّ الاستعمار أو عهد الجهاد الأصغر كما كان يسمّيه الزّعيم الحبيب بورقيبة اقتباسا من الحديث المنسوب إلى الرّسول (صلّى الله عليه وسلّم): رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. والجهاد الأكبر لدى بورقيبة، هو نضال دولة الاستقلال للخروج من التّخلّف وتحقيق التّنمية والتّخلّص من التّبعيّة.

لكنّ السّؤال الذي قد يفرض نفسه هو: من نحن ؟ إنّعلي البلهوان يتحدّث في كتابه عن أكثر من أمّة أو عن أمّة لها أكثر من تجلّ أو تمظهر واحد. إنّه يتحدّث ،جنبا إلى جنب ،عن الأمّة التّونسيّة، والأمّة المغربيّة (المغاربيّة)،والأمّة العربيّة ، والأمّة الإسلاميّة .وهو يصرّح منذالمقدّمة: إنّ الكفاح بين الشّرق والغرب مستمرّ بلا انقطاع منذ عرف التّاريخ، وكأنّ الأمّة المغربيّة (المغاربية ) انبعثت بعد سبات وتوحّدت بعد تفرّق وتصدّع (…)ولكنّها استيقظت تحت تأثير المصائب القاسية والهزائم المُرَّة وتمسّكت بلغتها ودينها وعاداتها وأخلاقها،واعتزّت بعروبتها ومجدها الخالد . ويضيف: تونس والجزائر ومرّاكش ثلاثة أقطار وثلاث أمم كوّنتها الأجيال المتعاقبة منذ قرون وصبغتها صبغة واحدة في أمّة متوحّدة. فالأمّة التّونسيّة وإن كان لها جميع ميزات الأمم ما هي إلّا جزء لا يتجزّأ من أمّة المغرب العربي، كما أنّالمغرب نفسه جزء لا يتجزّأ من الأمّة العربيّة الكبرى ومن الوطن العربي الأعظم. وهو يرى أنّ أمّة المغرب العربي لها رسالة خالدة إلى العالم هي “رسالة العروبةوالإسلام” وهي الجناح الأيسر للأمّة العربية.

ومقوّمات هوّيّة الأمّة التّونسيّة (والأمّة المغاربيّة والأمّة العربيّة) لا تنبني على الجنسوإن کان يمكن أن نعتبر الجنس من مقوّمات الأمّة من غير أن نتخذه أساسا وحيدا لنبني عليه هيكل أمّتنا، وهو بذلك يرد على التّعصّب العرقي ويؤكّد أنّ سكّان المغرب الأعظمأصلهم واحد بربري، ثمّ امتزجوا بالعرب حتّى صاروا منهم، فأصبحت لغتهم اللّغة العربيّة وأصبح دينهم الوحيد الإسلام، وقد صارت عاداتهم واحدة هي هي تقريبا في طرابلس وصفاقس وتونس والجزائر وتلمسان وفاس ومرّاكش، بل عواطفهم نفسها وأخلاقهم وطباعهم واحدة (…) وكلّ من يدّعي أنّ المغرب العربي ليس بوحدة طبيعيّة جغرافيّة وبشريّة إلّا ويريد بذلك تبرير الاستعمار الأجنبي للبلاد.

ومن مقوّمات الأمّة التّونسيّة الوحدة الجغرافيّة، واللغة، والدّين، والتّاريخ إذ حقيقة الأمّة في تاريخها. وهويرى أنّ اللغة والدّين والجغرافيا لا تكفي وحدها لإيجاد ما يسمّيه العاطفة القوميّة أو الرّوح القوميّة(الوطنيّة بالمصطلح الحالي) الرّابطة بين أبناء الوطن،لأنّ “الضّمير الملّي كما يقول – أي الشّعور الوطني يتولّد بعد مخاض أليم شاقّ طويل وبعد أن تقاسيالأمّة الشّدائد من حروب طاحنة للدّفاع عن کیانھا…” ،وهو ما حقّقه الكّفاح الوطني ضد الاستعمار، وذلك ما أحيى الرّوح القوميّة وزادها قوّة ورسوخا حتى بلغ الوعي القومي أشدّه بتونس” ،وهو ما يؤكّد أنّنانحن عرب ونريد أن نبقى عربا وأنّ حياة الأمّة التّونسيّة في استقلال دولتها. ويشهّر بالاستعمار الفرنسي الذي يسعى إلى تقويض قوميّة الأهالي والقضاء عليها قضاء مبرما وإدماجهم في الشّعب الفرنسي وابتلاعهمابتلاعا كليّا بضرب دينهم واستبعاد لغتهم وإحلالالفرنسيّة محلّها، وهي سياسة يرى علي البلهوان أنّمصيرها الفشل.

وخلاصة القول إنّ الظرف التّاريخي الذي مرّت به البلادالتّونسيّة قبل الاستقلال من جهة وشخصيّة مؤلّف کتاب نحن أمّة” علي البلهوان المتشبّع بالثّقافة العربيّة الإسلاميّة المستنيرة المتفتّحة والمناضل السّياسي الوطني والمغاربي ذي العلاقات العربيّة الوثيقة من جهة أخرى، قد حدّدا – في رأينا – تمثّلهللهوّيّة التّونسيّة فرآها هوّيّة وطنّية تتطابق مع الهوّيّةالمغاربيّة والهوّيّة العربيّة الإسلاميّة. وقد كان هذا التّمثل هو السّائد غالبًا لدى النخب الفكريّة والسّياسيّة حينئذ، وهو تمثّل قد انكمش في الفترات اللاحقة لكنّه لم يضمحلّ.

4-3-2 هوّيّة دولة الاستقلال“والجهاد الأكبر”

الأمّة التّونسيّة بين الأمس والیوم هو عنوان كتاب كان، في الأصل، محاضرة ألقاها الهادي البكّوش علىمنبر جامعة سوسة بمناسبة إسناده الدكتوراه الفخريّة يوم 28 مايو 2005.

وهذا الكتاب على صغره، إذ لا يزيد عدد صفحات المحاضرة على ستّ وستين صفحة من القطع الصغير، مهمّ جدّا ويمكن اعتباره من أهمّ النّصوص التّنظيريّةالكاشفة عن جوهر الهوّيّة في منظور الدّولة الوطنيّةأو الدّولة القُطريّة التي صنعها التّاريخ والجغرافيا وصبغها بورقيبة والتّيار التّونسي التحديثي بصبغة ليس من الهيّن محوها.

وقد أهدى الهادي البكّوش كتابه إلى الزّعيم علي البلهوان باعث الوعي الوطني في الشّباب وواضع كتاب نحن أمّة عربون وفاء، وأشار إلى أنّ الزّعيم علي البلهوان أجاب عن هذا السّؤال سنة 1950 ، عندما نشر كتابا بعنوان “نحن أمّة“. هو كتاب أثّر فينا تأثيرًا شديدا، وكان مرجعًا مهمّا في ثقافتنا السّياسيّة ووعينا الوطني” .

وهكذا فإنّ كتاب الهادي البكّوش يندرج في نفس التوجّه الذي خطّته الحركة الوطنيّة التّونسيّة بقيادة الحزب الحرّ الدستوري التونسي الجديد وزعيمه الحبيب بورقيبة، والذي قد يضمّ بعض التنوّعات والاجتهادات الشّخصيّة والفئويّة لكنّه، في عمومه وخطوطه الكبرى، يرى في تونس – وخاصّة بعد حصولها على الاستقلال واسترجاعها لسيادتها – أمّة قائمة الذّات مكتملة المقوّماتوإن كانت جزءا من الكيان المغاربي والأمّة العربيّة والأمّة الإسلاميّة. ذلك أنّه أمام إخفاق الأمّة العربيّة الواحدة، وعجز المسلمين عن إحياء أمّة إسلاميّة واحدة، لم يبق أمام المسلمين، إلّا أن يتمسّكوا، دون تنكّر للعروبة والإسلام، بذاتيّتهم القطريّة، ويتشبّثوا بعصبيّتهم الوطنيّة، فهي اليوم عروتهم الوثقى. إنّه النّهج الذي سار فيه التّونسيّون منذ الاستقلال. لا شكّ أنّ تونس جزء من الأمّة العربيّة، ومكوّن للأمّة الإسلاميّة، وأنّعصبيّتها العربيّة وارتباطها بالإسلام ثابتان متينان، وأنّها خضعت، لفترات طويلة، لحكم دمشق فبغداد فمرّاکش، ولكن لها ذاتيّة متميّزة منذ القديم، وكيان مستقل أصيل.

ويرى الهادي البكّوش أنّ الأمّة التي تسكن تونستستمدّ جذورها من ماض حضاري بعيد، وأرضها عامرةمنذ القدم ،ولها حدود تطول وتقصر، تتوسّع و تتقلّص حول محور ثابت هو إفريقيّة التي هي تونس اليوم، وهي بذلك تستجيب لشرط أساسي من شروط الأمّة، وهو أن تكون لها حدود معلومة ، كما تستجيب لشرط آخر من شروط الأمّة وهو الاندماج العرقي” . ويشير إلى أنّ الشّعوب التي سكنت تونس متعدّدة مختلفة،ولكن بنسب متباينة، أقواها وأبقاها الشّعب العربي .

والمقوّمات الأخرى التي تؤهّل تونس لتكون أمّة حديثةفي رأي الهادي البكوش هي اللغة، والدّين، والعادات والتّقاليد الخاصّة بها في السّكن ،واللباس، والأكل، والأفراح، والأحزان، والولادة، والختان، والزّواج... كما أنّ لتونس أدبًا ، وفنّا، وغناء، وموسيقى تتميّز بها، وهي من أشدّ الأمم اندماجا، لكنّها، رغم كلّ هذه المؤهّلات، كانت تفتقر إلى عنصر أساسي من مكوّنات الأمّة وهو السّيادة التي أضاعتها يوم حلّ العثمانيون بتونس لطرد الإسبان (…) في سنة 1573، وأنهوا حكم الحفصيّين الذي دام 366 سنة (…) وجعلوا تونس، مثلها مثل الجزائر، وطرابلس، سنجقا عثمانيّا تابعا للسلطان – الخليفة ، تضرب السكّة باسمه، ويدعى له على المنابر، ويدان له بالطّاعة والولاء. وقد قاوم الشّعب التّونسي الاستعمار الفرنسي الذي تسلّط عليه في 1881، وذلك في مناسبات عديدة معروفة، ولم تكن الأمّة التّونسيّة قبل 20 مارس 1956 أمّة كاملة المقوّمات، ولم تصبح أمة بالمعنى بالكامل إلا بعد الاستقلال .

ويُنهى الهادي البكّوش محاضرته بالقول إنّ “الأمّةالتّونسيّة (…) هي الإطار الأفضل لنموّنا وازدهارنا، وهي ملاذنا في عالم متقلّب لا يجد فيه مكانه من لا يثبت في أرضه، ولم يتشبّث بكيانه ،ويدعو إلى التّفتّحعلى العالم الذي له فوائد جمّة وسلبيّات كثيرة تأتي مواجهتها جماعة بنتائج أوفر وتحقّق تقدّما أكبر. وقد تكون المجموعة المغاربيّة، رغم ما تتعرّض له من صعوبات، وما ينتابها من توترات، أقرب المجموعات إلى التجسيم لأسباب تاريخية وجغرافيّة.

وخلاصة القول إن الهادي البكّوش في كتابه: الأمّة التّونسيّة بين الأمس واليوم قد عبّر تعبيراً موجزاً بليغا عن مقولة الأمّة التّونسيّة، التي هي مقولة رئيسية في الفلسفة السّياسيّة البورقيبيّة التي تستند إلى البراغماتيّة، والمرحليّة، والواقعيّة السياسيّة،والاستقلاليّة، والتّمسك بالهوّيّة القوميّة التّونسيّةوالاعتزاز بها دون تنكّر – ولو ظاهريّا وتكتيكيّا أحيانا – للأواصر التّاريخيّة والثّقافيّة والروحيّة العربيّة والإسلاميّة. لقد كان هاجس بناء الدّولة الوطنيّةأوالدّولة القوميّة  أوالوطن الدولة هاجسًا كبيرًا استبدّ بالفكر البورقيبي من أجل التّخلصّ من التّبعيّة والخروج من التّخلّف وتحقيق التّنمية الشّاملة، لكنّ كلّ ذلك لم يشوّه الهوّيّة التّونسيّة وإن أربكها أحيانا. وإذن فإنّ هوّيّة الشّعب، كما تتجلّى من كتاب الهادي البكّوش ،هوّيّة تّونسيّة أساسا لها تاريخها وظروفها وخصوصياتها ومشروعها ،وإن بقيتمع ذلك منتسبة إلى العروبة والإسلام.

4-3-3 التمثل الأصولي لـ”هوية تونس الاسلامية  العربية

في سنة 1988، أي في السّنة التي تلت تنحية الرّئيس الحبيب بورقيبة عن السّلطة، صدر بباريس كتاب للدكتور عبد المجيد النّجار بعنوان : صراع الهوّيّة في تونس، وهو بحث يعتبره مؤلّفه مساهمة في الحوار الوطني الذي يدور في بلدنا بعد التّغيير السّياسي الذي حصل فيه، فقد كان ذلك التّغيير مؤذنًا بانطلاق سجال نشيط يتّخذ من هوّيّة المجتمع التّونسي ومستقبله الحضاري موضوعًا له، وتساهم فيه فعاليات إيديولوجيّة وسياسيّة عدّة في قدر من الحرّيّة الفكريّة لم يكن قبل ذلك متاحا، إذ كان النّظام السّابق قد حسمأمر الهوّيّة والتّوجّه المستقبلي بإقرار سياسيّ متعسّفلنمط معيّن فيهما، وأغلق الباب من الوجهة الرّسميّة والفكريّة دون النّظر والبحث والمراجعة في ذلك .

ويصنّف عبد المجيد النّجار الأطروحات المتّصلة بهوّيّةالمجتمع التّونسي إلى ثلاث أطروحات أساسية: أطروحة أصوليّة – وهي التي يتبنّاها، وأطروحة علمانيّة،وأطروحة يساريّة. وهو يشير إلى أنّه » بعد التّغير الذي حصل في 7 نوفمبر بتونس نشأ حوار فكريّ نشيطفي جملة من القضايا التي تتنوّع في عناوينها ولكنّها تلتقي عند قضية أساسيّة هي هوّيّة تونس(…) مثل الدّين والسّياسة، والجامعة الزّيتونية العائدة ودورها الجديد، والمكاسب التّقدميّة في ظلّ الوضع الجديد، والحركة الإسلاميّة في موقعها الدّيني والسّياسي ، وغير ذلك من المواضيع المتشابهة ذات الصّلة بالمفاهيم الصميميّة التي تحدّد معالم الهوّيّة للشعب التّونسي.

ومن أهمّ ما يذكره عبد المجيد النّجار تحت عنوان “هوّيّة تونس” أنّه “ليس في تونس أمّة قائمة بذاتها ذات هوّية خاصّة بها تميّزها عن غيرها، وتجعل منها فردا بين أفراد الأمم كالأمّة الفرنسيّة والألمانيّة والرّوسيّة وغيرها، وإنّما فيها جزء من أمّة تتّسع في دائرتين تشتمل إحداهما على الأخرى هما : الدّائرة العربيّة والدّائرة الإسلاميّة.وليست المميّزات الخفيفة المتمثّلة في بعض الأعراف والتّقاليد، أو في جذور بعيدة ناهضة لأن تكون في تونس أمّة قائمة بإزاء تلك العناصر الصّميمية المتمثّلة في المنظومة العقديّة والنّظم الاجتماعيّة التي تدمجها في الدّائرة العربيّة الإسلاميّة لتكون جزءا من الأمّة العربيّة الإسلاميّة”. ويضيف:وبهذا الاعتبار فإنّاستعمال تعبير الأمّة التّونسيّة استعمال فيه تجوّز بالقياس إلى الحقيقة الواقعة، إذ لا هوّيّة متميّزة لأمّةتّونسيّة .

وفي رأي عبد المجيد النّجار أنّ تونس، منذ أواخر القرن الأوّل للهجرة، قد استقرّت على هوّيّة إسلاميّة عربيّة قوامها الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وتكريم الإنسان واعتباره خليفة في الأرض، سُخِّر الكون لأجلهتحقيقا لمهمّة الخلافة، وامتدادها في الواقع نظام شرعي يشمل الحياة الإنسانيّة كلّها سياسةً واجتماعًا واقتصادًا وعلاقات دوليّة، وتعاملاً مع الكون وما فيه،ولسانها اللّسان العربي (…). ومن مدعّمات هذه الهوّيّةومحسناتها في تونس وحدة مذهبيّة في العقيدة تقوم على العقيدة الأشعريّة، ووحدة مذهبيّة في النّظم تقوم على الفقه المالكي، لا وجوه لسواهما إلّا في الأقلّ”.

ويوجّه مؤلّف الصّراع على الهوّيّة في تونسسهامه إلى الاستعمار الفرنسي الذي استهدف هوّيّةتونس، وإلى الرّئيس بورقيبة الذي كان، في رأيه، “المقرّر الأوحد للمسار الذي وقع فيه التّعامل مع الهوّيّة طيلة ثلث قرن على شكل استبدادي كامل، فصدرت منه إجراءات عديدة ذات نيْل صميمي من الهوّيّةالإسلاميّة العربيّة للأمّة انعكاسا لمنظومته الإيديولوجيّة الخاصّة ذات التّوجّه الغربي فلسفيّا وثقافيّا …”.

ويعرّف المؤلّف الأصوليّة فيقول إنّه ذلك التّوجّه الإسلاميّ الذي يلتزم في رؤاه الإيديولوجيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة أصول الدّين الإسلاميّ وهي أساسا نصوص القرآن والحديث وما ترتّب عليها من شروح واجتهادات الصّحابة وكبار الأيّمة (…) ولكنّنا سنضيف إلى مدلول هذا المصطلح معنى آخر (…) هو معنى المحافظة على الهوّيّة في أصل ما كانت عليه من معنى في الضّمير الشّعبي منذ أصبحت هوّيّة تونس هوّيّة إسلاميّة عربيّة، فتصبح الأصوليّة بحسب ما سنستعمله في هذا المقام تعني الوجهة التي تطرح تصوّرًا لهوّيّة تونس مشتقّا من أصول الإسلام و متماشيًا مع ما كان مستقرّا في أذهان المسلمين طيلة تاريخهم في هذه الدّيار.

أمّا الأصوليون في رأيه فيشملون – إضافة إلىالحركات الإسلاميّة ذات التّوجّه السّياسيّ التي أفرزتها الصّحوة الإسلاميّة العامّة – كلّ من يرون في الهوّيّة رأيًا أصوليًّا بالمعنى الذي سبق تحديده، وبالتّالي فهم العامّة من النّاس (…) وتلك الجموع من المثّقفين غير المنتظمين والذين يؤمنون بوعي علمي بالمفهوم الآنف الذّكر (…) .ولعلّ الوجه الأكثر ظهوراللأصوليين هو المتمثّل في الحركات الإسلاميّة السّياسيّة والتّربويّة ومن أبرزها حركة الاتّجاه الإسلامي”.

وعناصر الهوّيّة في الطّرح الأصولي الذي تبنّاه المؤلّف عقديّة، وأخلاقيّة ،واجتماعيّة اقتصاديّة، وسياسيّة من أهمّ شروطها أنّ القواعد العامّة للحكم تؤخذ من الوحي، وأنّ تفاصيلها وتطبيقاتها تستنبط بالاجتهادالعقلي، وأوّل قاعدة من قواعد الوحي في شأن الحكمهو وجوب أن تنظّم الأمّة نفسها تنظيما سياسيّا ينطلق من أن تتخذ لها مؤسّسة رئاسيّة، وهي التي اصطلح عليها في الفكر الإسلامي بالخلافة أو الإمامة، فهذه المؤسّسة فرض واجب على المسلمين.... ويرى المؤلّف أيضا أنّ العروبة بعد أساسي من أبعاد الهوية في تونس () ومن هذه الأبعاد الآنفة الذّكر تنعقد هوّيّةالأمّة في تونس كما يراها الأصوليّون وكما يطرحها الآن الحوار الدّائر في الهوّيّة، وهم يشتقونها من الدّين الإسلاميّ في شموله، و من التّاريخ الذي صهر عناصر الهوّيّة في وحدة متكاملة عبر قرون طويلة، فأصبحت هذه الهوّيّة هوّيّة إسلاميّة عربيّة .

إن “تمثل الدكتور عبد المجيد النجّار لـ” هوية تونس”، هذا الجزء من الأمّة الإسلاميّة العربيّة والذي ليس فيه أمة قائمة بذاتها ذات هوية خاصة تمّيزها عن غيرها “من أجزاء الأمة الشاملة كما يقول، ليس تمثلا لما هو كائن بقدر ما هو تقنين معياري يقرّر ما ينبغي أن يكون، من منطلق إيديولوجي أصولي يخدم توجّها سياسياًّ لا يرى المؤلفّ لغيره بديلاً صالحاً. والمؤلّف نفسه يقرّر أن “كل طرح لهويّة الأمة ينبغي أن يكون فيه جواب على سؤالين: الأوّل، ما هو التصوّر الوجودي الذي يُرى أن تكون الأمّة عليه؟ والثاني، ما هو النمط الاجتماعي الذي ينبغي أن يكون عليه سلوكها لإنجاز مهامّها الحضارية؟ «  . ولذا فإنّ المؤلّف يطرح على التونسيّين مشروعاً للحكم وإدارة المجتمع مكتمل العناصر والمراحل والأدوات ليخرجهممن الانحراف إلى  الجادّة ،ويردّ على العلمانييّن واليساريّين أو الماديّين كما يسميّهم، ويخطئ كلّ من لا يرى ما رأى، ولا ينسّب الأمور أو يسير على قدر الضعفاء، ويقوم بالدعاية للحركة التي ينتمي إليها وينظّر لها بل يرسم قواعد ” التعبئة الإنجازيّة لتحقيق مشروعه المجتمعي والسياسي ، ما يجعل من كتاب ” صراع الهوية في تونس ” بمثابة إعلان إيديولوجي سياسي.ولعلّ هذا التباعد بين الواقع الذي يستبطنه المفكّروالسياسي ويتمثّله قليلا أو كثيرا وبين الإيديولوجيا المسقطة على هذا الواقع هو مأزق الإسلام السياسي في تمثلّه لهوية المجتمع.

4-3-4 عروبة تونس بين النخبة والمجتمع .

نعرض هذه التوابت كما يتمثّلها عالم الاجتماع الدكتور سالم لبيض في كتابه ” الهوية : الإسلام ، العروبة ، التونسة ” .

والكتاب، في جوهره، ذو نفس نضالي واضح ودفاع عن عروبة المجتمع التونسي وإسلامه. وهو بحث “يتابع متابعة دقيقة موثقة بأسلوب المحاججة الفكرية، قضيّةالهوّية ومفارقاتها بين المجتمع والدولة في تونس. فهو ينطلق من فرضيّة أنّ لكليهما هوّية خاصة به، أو لنقل إنّ للمجتمع هويته، وللقائمين على الدولة هويّتهم” . ويرى المؤلف أن ذلك الاختلاف الذي يصل إلى حدّ التناقض والصراع أحياناً، مردّه أنّ الدولة صاحبة القوة والنفوذ حاولت خلال فترات طويلة مرّت بها أن تطبع المجتمع بهويّة من يتولّونها، ولكنّ المجتمع أبى إلا أن يتشبث بهويته، مما أدّى إلى تنازل الدولة وتبنّي خطاب الهوّيّة وإن شكلياً وتكتيكياًّ غالباً، “لكنّ بعض النخب القديمة بقي في متاريسه الأولى متمسكاً بتصوّراته الهلامية” .

ولا يعنى المؤلّف في هذا الكتاب بما يسمّيه “الهويات الجزئية” المهنيّة والإثنيّة والقبليّة والطائفيّة، وإنمّا “يعنى بما هو مشترك بين أبناء المجتمع الواحد” )، أي بما يتصف بوحدة وديمومة الخصائص الأساسيّة لهذا المجتمع. ويرى المؤلّف أنّ أبرز مكونات الهويّة في تونس هي اللغة العربيّة والدين الإسلامي وكل ما ينبثق عنهما من أفكار وفنون وأنماط عيش ورموز وعادات وتقاليد وأعراف وأنظمة ثقافيّة واقتصاديّة وسياسيّة مختلفة.ويؤكدّ أنّ اللغة العربية هي اللغة الأم في تونس على الرغم من الازدواجية (الثنائية اللغوية العربية الفرنسية) المتأتّية من التأثير الاستعماري. كما أنّ الإسلام كدين ينظّم نسيج المجتمع ويخترق خلاياه المجهرية. وهو يشير إلى أنّ الانتماء العربي الإسلامي الذي يؤكّده ويدافع عنه كان مستهدفا بالطمس طيلة الفترة الاستعماريّة ما بين 1881 و1956، وقد كان لجامع الزيتونة الذي مثّل مركز الضمير الجمعي والهويّة الحضاريّة العربيّة الإسلاميّة دور بارز في الدّفاع عن هويّة تونس. وقد حكم الدولة الوطنيّة – أي دولة الاستقلال – التيّار الذي يقوده بورقيبة والذي لم يفكّ الارتباط مع فرنسا وثقافتها، لذا فإنّ تعامله مع مقوّمات الهويّة التونسيّة، أي العروبة والإسلام، ” كان براغماتيّا قبل تركيز السلطة الجديدة نفسها، لكن ذلك تلاشى ليتحوّل إلى نوع من الوصم لكلّ ما له علاقة بالعربيّة لغة والإسلام دينا” .

وقد تتبّع الدّكتور سالم لبيض ما سماه التجاذب حول هويّة تونس طيلة قرن أو يزيد بدءا من مطلع الاحتلال الفرنسي لتونس، وذلك من خلال أربعة أنماط رئيسيّة من خطاب الشرائح الاجتماعيّة الأكبر تأثيرا في الحراك الاجتماعي وهي: الخطاب السياسي، والخطاب النقابي، والخطاب التربوي، والخطاب الطلابي وما انتهت إليه تلك الأنماط من تصوّرات لمسألة الهويّة وقضاياها وتطوّرها عبر عشرات السنين من الفعل والممارسة.

وليس من الممكن في هذه الورقة تتبّع مختلف المواقف التي سعى المؤلّف إلى إبرازها من هويّة تونس ومقوّميها الرئيسيين (العربيّة والإسلام) لدى مختلف الأحزاب – وفي مقدّمتها الحزب الحرّ الدستوري التونسي، الحزب الذي أسّسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي ثم تزعمه الحبيب بورقيبة فقاد به الحركة التحريرية وبنى به الدولة الوطنيةولدى مختلف النقابات والفصائل الطلابية وفي الإصلاحات التربوية المتعاقبة؛ لكنّ أهمّ ما توصّل إليه المؤلف هو أنّ قضية الهوية بتونس وهي قضية ثقافيّة بالدرجة الأولى لكنّ رهاناتها سياسيّة – يتجاذبها قطبان رئيسيّان: القطب الأول هم أنصار “الهويّة التونسيّة”، وهي عندهم” “هويّة بيضاء” قابلة للشّحن بأي مضمون ثقافي(..) ولكن المهمّ أنها ليست عربيّة إسلاميّة صرفاً، .وهذه هي الهويّة التي عليها من تولّى الدولة منذ 1956 والتي استعملوها في مشروعهم السياسي والمجتمعي. أما القطب الثاني في جدل الهوية فهو – في رأيه المجتمع بأكمله: أدواته في التعبير، أحزابه وتنظيماته السياسيّة، نقاباته، طلّابه وتلاميذه، ناهيك عن بعض النخب المدافعة عن الهويّة بمضامينها التي ارتضاها لنفسه ذلك المجتمع .

وهكذا فإنّ تمثّل الهويّة لدى الدكتور سالم لبيض في كتابه “الهويّة: الإسلام، العروبة، التّونسة” يقوم على فرضيّة أن للمجتمع هويّته – وهي عربيّة إسلاميّة – وأن للقائمين على الدولة هويّتهم، وهاتان الهويّتان متنافرتان، والحلّ هو الرجوع إلى هويّة المجتمع بالاحتكام إلى واقعه وعدم التعسّف عليه. وهذا التمثّل يبدو مخالفاً ومتعارضاً مع كل من التمثّل الذي رأيناه في كتاب الهادي البكوش (الأمّة التونسيّة بين الأمس واليوم) والتمثل الذي اتضح من خلال كتاب الدكتور عبد المجيد النجار (صراع الهويّة في تونس).

الخاتمة :

تضمّنت الكتب الأربعة التي سعينا إلى تحليل بعض محتوياتها ومنطلقاتها وأهدافها تمثّلات متنوعة لدى كتّابها لمسألة هوّية تونس والتونسيّين ، وهي تمثلات حاولنا فهمها بالرجوع إلى السياقات الوطنيّة والإقليميّة التي كتبت فيها من جهة وإلى شخصيّة مؤلّفيها ومرجعيّاتهم الثقافيّة والسّياسيّة من جهة أخرى .

وقد رأينا أنّه يمكن أن تكون هذه التمثلات ، عموما، أربعة أصناف: تمثّل نضالي مقاوم للاستعمار ( علي البلهوان)، وتمثّل وطني قطري (الهادي البكوش) ، وتمثل إسلاميّ أصوليّ ( عبد المجيد النجّار) ، وتمثّل قومي عروبي ( سالم لبيض) .

وهذه التمثّلات الأربعة تستبطن تاريخ تونس القديم منه والحديث والمعاصر ، لكنّها تتفاوت في درجة اعتبارها لأهميّة هذه المرحلة أو تلك في بناء هوية تونس ولمدى فاعلية هذا المقوّم أو ذاك من مقوّمات  الهويّة .

وهذه التمثّلات المتنوعة تعكس ، في الحقيقة ،تنوّع المواقف الفكريّة تجاه مكوّنات الهويّة، بل إنها تعيد إنتاج أسئلة الهويّة في تونس ، وهي أسئلة لا تزال مطروحة في الفضاءات السياسيّة والإعلاميّة والأكاديمية.

إنّ الإجماع حاصلٌ، أو يكاد، على أنّ تونس، كما يقول المؤرّخ والمفكّر التونسي محمد الطالبي، لم تكن في أيّة فترة من فترات تاريخها الطويل “معزولة عن محيطها. ولم يكن هذا المحيط، منذ بداية الخليقة حتى اليوم عربياً إسلامياً (…) .لكنّ هذه الحضارات القديمة (البربريّة، والفينيقيّة، والرومانيّة…) التي أسهمت فيها تونس إسهاماً واسعاً، أصبحت اليوم غير ذات فاعليّة في هويتنا وانتماءاتنا. لقد غادرت كليّا ذاكرتنا الفرديّة والجماعيّة كعامل دافع لسلوكنا، وأصبحت تاريخاً ميّتاً بالنسبة للأغلبية الساحقة من مواطنينا على الأقل.

بقي المحيط العربي الإسلامي، هذا المحيط يملأ اليوم وحده الذاكرة، ويُلهب على الخصوص المخيّلة. والمخيلة أكثر من الذاكرة (…) هي التي تحرّك الشعوب والجماعات العريضة. فالمخيّل الإسلامي، أو العربي، أو العربي الإسلامي هو محرّك تاريخنا اليوم“.(محمد الطالبي: عيال الله، دار سراس للنشر، تونس 1992، ص 42-43).

وهكذا فإنّ الفتح الإسلامي قد مثّل منعرجاً حاسماً أرّخ لمرحلة جديدة من تاريخ تونس لا تزال ممتدّة إلى يومنا هذا، وكانت فيها هويّتها عربية إسلامية بمقوّميها الأساسيين الإسلام والعربية، وذلك سواء أكان التونسيّون على وعي تامّ بهويّتهم هذه أم كانوا يعيشونها بصورة عفوية تلقائية.

وقد بدأ التساؤل عن الهوية منذ أواسط القرن التاسع عشر عندما ظهر التيّار التحديثي الذي دعا إلى الأخذ عن أوروبا المتقدّمة في التنظيمات والعلم والصناعة والجيش، لكن يمكن اعتبار الاستعمار الفرنسي للبلاد بداية النهوض الهويّاتي الحقيقي والذي سيبلغ أقصى توهّجه في المجابهة مع المحتل.( سعيد بحيرة): قراءة أخرى في الهويّة التونسيّة، تونس 2012، ص 226).

وقد فرض الاحتلال الفرنسي لغته وثقافته ونشر أساليب عيشه وأنماط سلوكه في أوساط اجتماعية عريضة وخاصّة في المدن، دون أن يقدر على أن يطمس بالكامل هوية الشعب الذي بقي متمسكاً بدينه ولغته وعاداته وبمؤسساته الدينيّة والتعليميّة وفي مقدّمتها جامع الزيتونة. لكنّ هذا الاحتلال الأجنبي الذي دام ثلاثة أرباع قرن قد أحدث، ولا شكّ، ارتباكاً هويّاتياً في المجتمع، بل إنّ هذا الارتباك – أو الشرخ – قد تواصل مع دولة الاستقلال بسبب تباين المواقف من التوجّه التحديثيعلى النمط الغربي الذي تبنّاه الزعيم الحبيب بورقيبة وحزبه، وكذلك بسبب تبني شقّ من النخبة التونسيّة التوجّهات العربيّة القوميّة ثمّ التوجهّات السياسيّة ذات الخلفيّة الأصوليّة الإسلاميّة.لقد كان من أهم نتائج الثورة التونسية في عام 2011 أنها فجّرت مسألة الهويّة وأطلقت العنان لكلّ الفئات لتعبّر عن هوّيّاتها وتتقدّم بمطالبها الثقافيّة واللغويّة وحتى الدستوريّة. والمشهد الهويّاتي التونسي، كما قال المؤرّخ الهادي التيمومي في 2014، “يعكس في تضاعيفه تاريخاً ثريّ المضامين سميك التراكمات متشعّب التضاريس. وتشهد تونس اليوم (2014) جوعاً للانتماء وركضاً مهووساً وراء الهويّة ، أي وراء تلك النظرة التي تسعى كلّ مجموعة بشريّة لكي تُنعت بها من قبل الآخرين. إنّ التونسيّين مثل العديد من شعوب العالم، سكارى حتّى الثمالة بمسألة الهويّة، لأنّهم في حاجة ماسّة إلى رموز من الماضي لتدعيم ما يقومون به في الحاضر“. (الهادي التيمومي: كيف أصبح التونسيون تونسيّين؟، تونس 2015، ص 11).

وهذا الهوس بالهويّة عند التونسيّين في عهد الثورة، وإن خفت الآن قليلاً، قد يكون سببه الرئيسي أنّها مسألة لم تُحسم في عهد الاستقلال بالحوار والتوافق بقدر ما حُسمت بـ “التأميم”، أي بقرار “الزعيم” وسلطة الدولة.

وللهوية الآن في تونس وربّما في أقطار أخرى أيضاً، أفق جديد ممكن جدّاً ومطلوب جدّاً هو المواطنة التي تعلو على العرقيّة والقبليّة والطائفيّة والمذهبيّة والإيديولوجيا، وتفتح أمام كلّ المواطنين وبلا استثناء آفاقاً جديدة رحبة من العيش المشترك القائمة على المساواة والمشاركة والتسامح والاعتراف بالتنوع وبالآخر المختلف، في إطار الدولة المدنيّة وضمن مشروع وطني يجد فيه كلّ مواطن مصلحته ويتعزّز به انتماؤه الجماعي.

إغلاق