اخبار اقليميه

“الإعلام الجماهيري”: سلاح الفلسطينيين في زمن الأبارتهايد

ارتكبت إسرائيل جرائم ضد الفلسطينيين منذ النكبة في العام 1948، بدأتها بالمجازر الرهيبة أثناء الحرب بهدف ترهيب الفلسطينيين وتهجيرهم عن وطنهم، وبعد ذلك بالممارسات اليومية ضد الأقلية العربية الباقية في وطنها، تحت الحكم العسكري. واستمرت هذه الممارسات بعد حرب العام 1967، لكنها تركزت بالأساس ضد الفلسطينيين بعدما احتلت باقي فلسطين وهضبة الجولان السورية، حيث طردت معظم سكانها، وسيناء. ونفذت إسرائيل لدى احتلال الضفة الغربية عملية تهجير واسعة أيضا.

وتناولت تقارير وكتب كثيرة هذه الجرائم الإسرائيلية، بل أن باحثين إسرائيليين وصفوا بدقة هذه الجرائم، التي استخرجوا تفاصيلها من وثائق الأرشيفات الإسرائيلية نفسها. إلا أن الاطلاع على هذه الكتب والتقارير الصحفية كان ضيقا، بسبب قلة القراء أولا، وكونها منشورة باللغة العربية أو العبرية التي لا يقرأها معظم العالم، وحتى تلك المنشورة بلغات أجنبية، وخاصة بالانجليزية، يطلع عليها الباحثون وليس الشعوب بشكل واسع. ولذلك، كان من الصعب أن يكون لها تأثير على الرأي العام المحلي الفلسطيني أو الإسرائيلي أو العالمي.

لكن للصور تأثيرها الخاص، الواسع والمقنع، أكثر من الكلمة المكتوبة. ويقال أن ‘الصورة تؤثر أكثر من ألف كلمة’ وهذا صحيح بالتأكيد، فما بالك بتأثير الشريط المصور ومقاطع الفيديو. وفي سياق نضال الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وانتفاضاتهم، كان للصورة تأثير كبير وازداد في السنوات الأخيرة. وكان للصورة التي التقطت لجنود إسرائيليين الذين أمسكوا بفلسطينيين اثنين، أثناء الانتفاضة الأولى (1987 – 1993)، وهم ينفذون أوامر وزير الأمن، يتسحاق رابين، بتكسير أيدي وأرجل الفلسطينيين، تأثير على الرأي العام المحلي والعالمي، الذي شاهدها من خلال وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة.

وهذا ما حدث أيضا خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، انتفاضة القدس والأقصى، التي اندلعت في العام 2000. وشاهد العالم أحداثها في وسائل الإعلام. اطلع العالم حينذاك على أن مجزرة وقعت في مخيم جنين وأن عددا من الجنود الإسرائيليين قتلوا في مواجهات واشتباكات مسلحة في الضفة والقطاع. لكن عمليات القتل الواسعة والحصار الذي فرضه الجيش الإسرائيلي على المدن والبلدات الفلسطينية لم يوثق سوى من خلال وسائل الإعلام، وكان هذا توثيقا واسع النطاق نسبيا.

إلا أن المشكلة هنا هي أن وسائل الإعلام، بطبيعة الحال، تعمل وفقا أفكار ومواقف وتوجهات سياسية للمحررين فيها. يضاف إلى ذلك أنها تخضع لضغوط جهات سياسية حكومية وحزبية وفئوية، الأمر الذي من شأنه التأثير على الصورة المنقولة إلى مستهلك الأحداث. فإسرائيل، على سبيل المثال، شككت بصور واضحة لعمليات قتل مدنيين فلسطينيين، مثلما حدث عندما قتل الجنود الطفل محمد الدرة، في بداية الانتفاضة الثانية. وأحيانا كان يقرر محررو وسائل الإعلام اختيار صورة أو مقطع فيديو من جانب واحد من أجل الترويج لموقف معين. أي أن المشهد الذي يعكسه الإعلام لم يكن واضحا، وكان بالإمكان التشكيك فيه.

هذا الوضع تغير في السنوات القليلة الماضية، والحديث هنا عن توثيق الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وساهم في ذلك انتشار الهواتف المحمولة التي توجد فيها كاميرا وبالإمكان التقاط صورة جامدة بواسطتها أو مقطع فيديو حي، إضافة إلى انتشار مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة، وانتشار المواقع الالكتروني الإخبارية وغير الإخبارية التي لم يعد بإمكانها التهرب من نشر هذه الصور الجامدة والحية، ليبدأ عصر ‘الإعلام الجماهيري’ و’صحافة المواطن’.

*’الإعلام الجماهيري’ وقضية الجندي القاتل

انتشار هذا ‘الإعلام الجماهيري’ ليس محصورا في البلاد فقط وإنما هو ظاهرة منتشرة في العالم كله. وفي سياق الصراع في بلادنا، برزت قوة وتأثير هذا النوع الجديد من الإعلام خلال الهبة الشعبية الفلسطينية، التي اندلعت في مطلع تشرين الأول/أكتوبر العام 2015. وتميزت هذه الهبة بقيام أفراد فلسطينيين، شبان صغار أو قاصرين، بتنفيذ أو محاولة تنفيذ عمليات طعن أو دهس، وكذلك عمليات إطلاق نار في حالات قليلة. ورغم فشل معظم المحاولات لتنفيذ عمليات كهذه، أو أنها أسفرت عن إصابة جنود إسرائيليين أو مستوطنين بجراح طفيفة، أو حتى لمجرد اشتباه جنود إسرائيليين بأن في نية فتى أو فتاة فلسطينيين تنفيذ عملية طعن، كانت ينتهي الأمر بإطلاق الجنود، وأحيانا مستوطنين، وابل من الرصاص على ‘المشتبه’، وقتله.

وبسبب توثيق الكثير من هذه الأحداث بواسطة ‘الإعلام الجماهيري’، أو ‘صحافة المواطن’، فإنها أثارت الرأي العام العالمي، بسبب انتشار صور جامدة أو مقاطع فيديو حية خصوصا، توثق الحدث. وانتشار أشرطة الفيديو هذه في شبكات التواصل الاجتماعي على أشكالها يمنع التلاعب فيها وتشويه الواقع الحاصل أثناء ارتكاب الجرائم، خاصة في الحروب أو أوقات التصعيد الأمني.

ولفت هذا الأمر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، الذي بسبب تحسبه من النظرة الدولية إلى جيشه، صرح بأنه ‘لا ينبغي إفراغ ذخيرة بندقية أوتوماتيكية في جسد فتاة (فلسطينية) تحمل مقصا’ وقتلها من دون أن تصيب أحد بأذى. كذلك أوحى نائبه، يائير غولان، بأن تعامل الإسرائيليين مع هؤلاء الفتية الفلسطينيين يشبه تعامل النازيين مع اليهود وغيرهم في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. ويأتي تصريح غولان في أعقاب دعوات سياسيين إسرائيليين، بينهم وزراء وأعضاء كنيست، من أجل تحقيق مكاسب سياسية في أجواء الكراهية السائدة بين الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين، إلى قتل أي فلسطيني يحمل سكينا، ودعوة المواطنين الإسرائيليين إلى حمل أسلحتهم بشكل دائم إذا كانت بحوزتهم سلاحا مرخصا.

وكانت منظمة ‘بتسيلم’ الإسرائيلية لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة، مبادرة إلى تسليح متطوعين فلسطينيين بكاميرات فيديو، خصوصا في المناطق التي تكثر فيها اعتداءات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين على الفلسطينيين. وبين هذه المناطق مدينة الخليل. ورأت هذه المنظمة أن ‘قوة الكلمات في وصف الحقائق تتعاظم عشرات الأضعاف عندما تضاف الصورة إليها. وصورة واحدة، حتى لو كانت مشوشة أو مرتجفة، تنقل الحدث بصورة مباشرة وتجعل من الصعب تجاهلها. فالصورة ترغم المشاهد على النظر مباشرة إلى الواقع القاسي الحاصل في المناطق (المحتلة)، ويفتح الباب على مشاهدة حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال’.

ولعل أبرز الجرائم التي جرى توثيقها بواسطة هذا النوع الجديد من الإعلام، كان شريط الفيديو الذي صوّره الفلسطيني عماد أبو شمسية، بكاميرا سلمتها له ‘بتسيلم’، لعملية إعدام الجندي الإسرائيلي القاتل، إليئور أزاريا، للشاب عبد الفتاح الشريف في الخليل. وظهر في مقطع الفيديو بشكل واضح أن الجندي القاتل أعدم الشريف بإطلاق رصاصة على رأسه عندما كان الأخير ممدا على الأرض ومصابا بجروح خطيرة ولا يقوى على الحركة، بعدما أطلق جنود النار عليه بادعاء أنه نفذ عملية طعن.

ورغم محاولات إسرائيل تبرير عملية الإعدام هذه، إلا أن انتشار مقاطع الفيديو في العالم، جعل آيزنكوت ووزير الأمن الإسرائيلي في حينه، موشيه يعالون، ينددان بجريمة أزاريا، ليس حبا بالفلسطينيين والعدالة، وإنما من أجل إظهار أن لجيش الاحتلال الإسرائيلي ‘قيم’ و’أخلاقيات’ وخوفا على صورة هذا الجيش بنظر العالم، ولذلك تقرر محاكمة الجندي القاتل وإدانته وفرض عقوبة السجن عليه. لكن عقوبة السجن هذه كانت مخففة جدا، كما أكدت الأمم المتحدة، التي شددت على أن هذه العقوبة، بالسجن سنة ونصف السنة، تتناقض حتى مع القانون الإسرائيلي الذي تصل فيه عقوبة إدانة أزاريا بالقتل غير العمد، إلى 20 عاما. وأكدت الأمم المتحدة أيضا على أن هذه العقوبة المخففة قد تشجع آخرين على ارتكاب جرائم مشابهة.

وأكدت الأمم المتحدة أيضا على أنه في جرائم قتل فلسطينيين عديدة، افلت مرتكبوها من المحاكمة. وما كانت الأمم المتحدة ستوجه هذا الاتهام إلى إسرائيل لو لم تكن هناك أشرطة فيديو توثق جرائم كهذه، خلال الهبة وبينها قتل فلسطيني جريح بعدما نفذ عملية طعن، لكن مرتكبيها لم يصلوا إلى المحكمة.

*قلنديا: فيديو يكشف كذب ضابط إسرائيلي قتل فتى فلسطيني

قضية أخرى مشابهة من شأنها تثير الرأي العام المحلي والعالمي، تتعلق بإطلاق قائد لواء ‘بنيامين’ (أي منطقة رام الله، واللواء يضم عددا من الكتائب العسكري)، العقيد يسرائيل شومر، على الفتى الفلسطيني محمد الكسبة (17 عاما)، ما أدى إلى استشهاده. وقد وقعت هذه الجريمة في قلنديا في الثالث من تموز/يوليو العام 2015.

وقد أظهر مقطع فيديو الكسبة يلقي حجرا على سيارة جيب عسكرية تواجد فيها شومر وعدد من الجنود. وبعد أن فر الكسبة وابتعد عن سيارة الجيب، نزل منها شومر وأطلق النار على الكسبة وأرداه قتيلا. وفي أعقاب تحقيق أجراه الجيش الإسرائيلي، برأت المحكمة شومر.

لكن تفاصيل من التحقيق العسكري، نشرها موقع ‘واللا’ الالكتروني، يوم الأحد الماضي، أظهر أن شومر أطلق النار على الكسبة بصورة مخالفة للقانون، وعلى ظهر الفتى الشهيد وفيما كان لا يشكل خطرا على أحد.

الشهيد الكسبة

ليس هذا وحسب. بل أن شومر سعى إلى الكذب أثناء التحقيق معه، وطمس الحقائق. وفعل ذلك جنود كانوا برفقته. إذ زعم شومر أنه وصل إلى الموقع عندما كان مزدحما وتواجد فيه 300 فلسطيني على الأقل، وأن سيارات فلسطينية حاصرت سيارة الجيب العسكرية من الأمام والخلف ولم تسمح لها بالتحرك، ولذلك اضطر إلى إطلاق النار. لكن مقاطع فيديو صورته كاميرات حراسة أثبتت للمحققين أن كل هذه الرواية هي كذب بكذب. إذ تبين من مقاطع الفيديو أن الموقع لم يكن مزدحما ولم تظهر فيه سيارات فلسطينية تحاصر السيارة العسكرية وتمنع تحركها.

وفي قرار تبرئتها شومر، تبنت المحكمة والنيابة العسكرية مزاعم شومر التي ثبت كذبها. لكن المحامية روني بيلي، من جمعية حقوق المواطن في إسرائيل والتي مثلت والد الكسبة، قال إنه ‘بعدما هرب الفتى لم يعد يشكل خطرا. وأنظمة إطلاق النار للجيش الإسرائيلي تمنع إطلاق النار في وضع كهذا. رغم ذلك أطلق العقيد شومر النار عليه في ظهره وقتله، من دون أن يستخدم منظار البندقية وفيما كان يتحرك. وخلافا لادعاء شومر ومفهوم المدعي العسكري الرئيسي، فإن هذا لم يكن خطأ مهنيا وإنما عملا تجاوز السقف الجنائي. إطلاق النار على الظهر، بعد انتهاء الحدث، هو عمل غير قانوني. وإغلاق المدعي العسكري الرئيسي للملف يشكل استهتارا بحياة الإنسان، لكن هذه ليست حادثة استثنائية’.

*قتل المواطنين العرب: استشهاد أبو القيعان

لا تنحصر جرائم قتل المدنيين بأيدي قوات الأمن الإسرائيلية بالضفة الغربية ولا تنفذها قوات الجيش فقط. إذ تسود في الشرطة الإسرائيلية أجواء عنصرية ومستخفة بحياة المواطنين العرب. وأظهر تقرير نشرته القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، هذا الأسبوع، أن الشرطة تكون مدججة بالسلاح عندما تقوم بمهمة في قرية عربية، ولا يحمل أفرادها السلاح عندما تنفذ مهمة في بلدة يهودية، وتتعامل بقفازات من حرير عندما تنفذ مهمة في مستوطنة، مثلما حدث في البؤرة الاستيطانية العشوائية ‘عمونا’ لدى إخلائها مؤخرا.

وواقعة استشهاد المربي يعقوب أبو القيعان في قرية أم الحيران غير المعترف بها، هي أبلغ دليل على ذلك. إذ لم يتردد أفراد الشرطة بإطلاق النار على سيارة أبو القيعان، عندما كان يهم بمغادرة القرية لأنه لا يريد رؤية بيته يهدم.

ولم تتوقف الأمور عند ذلك. فبعد قتل أفراد الشرطة أبو القيعان، بدم بارد، زعم وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، غلعاد إردان، والمفتش العام للشرطة، روني ألشيخ، وتبعهم نتنياهو، وكذلك وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن الشهيد أبو القيعان حاول تنفيذ عملية دهس أفراد شرطة، أسفرت عن مقتل شرطي. كذلك زعموا أن الشهيد أبو القيعان كان يتماثل مع تنظيم ‘داعش’. وكال ألشيخ الشتائم للشهيد في تصريحات لوسائل الإعلام.

لكن مقاطع فيديو من موقع هذه الجريمة أثبتت عكس ما يزعم قادة إسرائيل. وتبين أن الشرطة أطلقت النار على سيارة أبو القيعان من دون سبب، ما أدى إلى فقدان سيطرته على سيارته وانطلاقها نحو الوادي ودهس شرطي. وجرى الزعم أيضا أن أفراد الشرطة اشتبهوا بأن أبو القيعان أراد تنفيذ عملية دهس لأن مصابيح السيارة كانت مطفأة، غير أن مقاطع فيديو أكدت أنها كانت مضاءة. وبعد أن أعلن قسم التحقيقات مع أفراد الشرطة (ماحاش) عن أن أبو القيعان لم يكن ينوي تنفيذ أي عمل ضد أفراد الشرطة، تراجع إردان عن وصف أبو القيعان بأنه ‘مخرب’ وبدأ يتحدث عنه كـ’مواطن’. لكن ألشيخ ونتنياهو لم يتراجعا عن تفوهاتهما حتى الآن.

ويبدو أن تراكم ‘التجربة’ الإسرائيلية مع ‘الإعلام الجماهيري’ و’صحافة المواطن’، دفعت إردان وألشيخ إلى التنديد باعتداء الشرطي موشيه كوهين على سائق الشاحنة الفلسطيني مازن الشويكي في حي وادي الجوز في القدس المحتلة. فقد تم توثيق هذا الاعتداء بشريط فيديو من قبل أشخاص تواجدوا في موقعه. وبعد ذلك أعلن ‘ماحاش’ أنه سيقدم لائحة اتهام ضد كوهين، الذي اعترف بجرمه.

*****

لقد وقعت في السنوات الأخيرة عدة جرائم قتل نفذها أفراد شرطة وجنود إسرائيليون، في الضفة الغربية وعند الشريط الحدودي مع قطاع غزة وداخل ‘الخط الأخضر’، من دون تقديم مرتكبيها إلى المحاكمة، وهو ما يعتبر أنه تشجيع من جانب السلطات على ارتكاب جرائم كهذه من أجل إرهاب الفلسطينيين في كلا جانبي ‘الخط الأخضر’. وتدل الأحكام المخففة على القتلة أو تبرئتهم رغم أن التحقيقات تدينهم على أن السلطات الإسرائيلية تمارس سياسة كهذه فعلا.

ويبدو أن التسلح بأجهزة تصوير، كاميرات وهواتف محمولة حديثة، واتساع استخدامها من شأنه أن يكسر صورة إسرائيل في الرأي العام المحلي العالمي، ويفضح سياسة الكراهية والعنصرية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وهذا ‘السلاح’ هو حاجة ماسة في وقت تتجه فيه إسرائيل إلى أن تصبح دولة أبارتهايد.

مقالات ذات صلة

إغلاق