مقالات

كلمة عزاء ووفاء بحق الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ومواساة أسرته

بقلم الدكتور حسب الله مهدي فضله التشادي

تلقيت عبر وسائل التواصل الاجتماعي نبأ وفاة سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل الحاكم بمنطقة العين الذي انتقل إلى رحمة الله يوم الأربعاء الماضي وأعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة الحداد لوفاته لمدة سبعة أيام.
وقد تداولت وسائل الإعلام الإماراتية خلال هذا الأسبوع الحديث عن مآثر الفقيد وإنجازاته واصفة إياه برفيق زايد، وأن له بصمات كبيرة في تطوير منطقة العين التي عين فيها ممثلا لحاكم إمارة أبي ظبي منذ عهد الشيخ زايد رحمه الله حتى وفاته في الأسبوع المنصرم.

ونظرا لما للفقيد وأسرته من أياد كريمة في دعم مسيرة التعليم وبعض مجالات التنمية في بلادنا، أحببت أن أسجل هذه الكلمة وفاء وعرفانا بهذا الدور المشرف من باب أن (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، وتعريفا للأجيال القادمة بجانب من هذه الملامح التي تشكل جزءا من تاريخنا المعاصر بإيجابياته وسلبياته.
وقد كانت أول صلة لي بهذا الموضوع ومعرفتي باسم سمو الشيخ طحنون في العام 1998، حين جاءني مدير المشاريع بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجمهورية تشاد، فضيلة الأستاذ الشيخ أحمد محمد عبد الله الشهير بأحمد نور الدين حفظه الله، وكنت حينها طالبا بمعهد إعداد المعلمين بأبشة، قسم حملة الشهادة الثانوية، وكان في طريقه إلى السودان، فقال لي: إن فضيلة الإمام(أي الشيخ الدكتور حسين حسن رحمه الله ) وجهني لأخبرك بأن تسافر غدا من أبشة إلى بلتن وتبقى هناك بضعة أيام مع المشايخ أعضاء المجلس الفرعي هناك لتساعدهم في مهمة تنظيم حفل وضع حجر الأساس لبناء الجامع الكبير حيث يأتيكم فضيلة الإمام يوم كذا مع وفد كبير من انجمينا لوضع حجر الأساس في بلتن، ثم يأتون إلى أبشة لوضع حجر أساس لثانوية جديدة فتأتي معهم، ونظرا لأهمية هذين الحدثين ومكانة الشخص المتبرع يريد الإمام أن يكون وضع حجر الأساس في احتفالية متميزة من حيث التنظيم وإعداد الكلمات وغير ذلك، لذا رأى أن تذهب لمساعدة المشايخ في ذلك.
فسألت الأستاذ أحمد عن اسم هذا الشخص المتبرع فقال: سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان.
فكانت هذه أول مرة أسمع باسم الشيخ طحنون حيث لم تكن وسائل التواصل موجودة لدينا في ذلك الوقت.
المهم أني سافرت إلى بلتن بناء على هذه التعليمات، فوجدت رئيس المجلس الفرعي الراحل الشيخ إبراهيم رحمه الله، وشقيقه الرئيس الحالي الإمام عليو عبد الواحد حفظه الله وباقي أعضاء المجلس، وعملنا في إكمال الترتيبات اللازمة إلى أن وصل إلينا في صباح اليوم المحدد، بالطائرة الرئاسية، فضيلة الإمام ومعه وزير الخارجية السيد محمد صالح النظيف، وكان حينها أيضا وزيرا للخارجية.
وبحمد الله تم إخراج الحفل بالطريقة المطلوبة.
ثم تحركنا مع الوفد إلى أبشة بعد الظهر، وكانت الترتيبات مكتملة، فتم وضع حجر الأساس لبناء ثانوية الشيخ طحنون بمدينة ابشة وغادر الوفد إلى العاصمة في نفس اليوم،
ونظرا للاهتمام والمتابعة فقد اكتمل بناء المشروعين في وقت وجيز، وأصبح كل منهما معلما بارزا في مدينته، الجامع الكبير بمدينة بلتن، وثانوية الشيخ طحنون بمدينة ابشة التي أصبحت في مقدمة المؤسسات التعليمية بالمدينة، وبعض خريجيها الآن وصلوا إلى الدراسات العليا وحملة الماجستير والدكتوراه. ولا شك أن ثوابهم جميعا سيصل إلى الفقيد الراحل في سجل حسناتهم، بالإضافة إلى المشاريع الأخرى التي دعمها الراحل عبر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجمهورية تشاد.
نسأل الله أن يتقبل كل ما قدمه من جهود قبولا حسنا ويجعلها في موازين حسناته.

ومن الجدير بالذكر هنا أن الفقيد يعتبر ثالث ثلاثة إخوة أشقاء تميزوا جميعا في العمل الخيري وكان لكل منهم بصمته وإسهاماته في دعم التعليم خاصة والمجالات التنموية الأخرى بصفة عامة في ربوع بلادنا، مما يستحق أن نشير إليه على سبيل التمثيل لا الحصر.
فشقيقه سمو الشيخ سرور بن محمد آل نهيان حفظه الله، له العديد من الإسهامات، أبرزها مجمع الشيخ سرور التعليمي الذي أصبح مقرا للمعهد الأزهري بانجمينا، والذي يعتبر أحد الركائز التربوية المهمة ضمن مؤسسات التعليم العربي في تشاد.
أما شقيقهما الثالث سمو الشيخ سيف بن محمد آل نهيان فيعتبر مدرسة قائمة بذاتها في العمل الخيري والإنساني، لا سيما في مجال التعليم القرآني وحفر الآبار وغيرها من المشاريع الخدمية مما لا يتسع المجال لذكره، فعلى سبيل المثال كفالته للمعلمين وطلاب حفظ القرآن الكريم في المدينة القرآنية بكرل، ورعايته حفل تخريج الحفاظ فيها حيث يتخرج سنويا حوالي مائة حافظ لكتاب الله معظمهم من المهتدين الذين يدخلون في الإسلام من أقاليم الجنوب، وكان الشيخ يرسل لكل خريج منهم هدية قدرها مانتا دولار تسلم له بنفس العملة. حسب ما شاهدته خلال السنوات التي كنت على صلة بهذا العمل.
وكفالته لعدد من الدعاة في الجنوب، وتبرعه بتكلفة الحج للشخصيات القيادية التي تعتنق الإسلام من رؤساء القرى والكانتونات والقساوسة ونحوهم، في شكل دفعات سنوية. حيث بلغ عدد الذين أدوا الحج على نفقته منهم حوالي سبعين حاجا حتى عام 2018.
أما عدد الآبار التي تم حفرها بتبرع من سمو الشيخ سيف فقد تجاوزت مائتي بئر، معظمها في القرى الجنوبية، بالإضافة إلى المدارس الابتدائية والخلاوى القرآنية.
وكان يرسل مندوبه مدير مكتبه السابق سعادة الدكتور عبد الله المحياس للإشراف شخصيا على هذه الأعمال، للتأكد من سيرها بطريقة صحيحة فقط دون أي اهتمام بالحديث عنها ونشرها لدى وسائل الإعلام، مما يؤكد لدينا أنه من الذين يعملون هذه الجهود لوجه الله لا يردون من ورائها جزاء ولا شكورا.
وهذا كما قلت غيض من فيض، اعترافا بالفضل لذوي الفضل، سائلا الله أن يتغمد فقيد العمل الإنساني سمو الشيخ طحنون بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته وأن يوفق الإخوة المسؤولين للحفاظ على مشاريعه التي تبرع بها للشعب التشادي وتطويرها، وفي مقدمتها ثانوية الشيخ طحنون بمدينة ابشة وغيرها.
وأسأله تعالى أن يحفظ الشقيقين العزيزين للراحل المقيم، أعني سمو الشيخ سيف بن محمد وسمو الشيخ سرور بن محمد اللذين تشرفت بلقاء كل منهما مرتين، فوجدتهما مثالا للتواضع وحسن الخلق وطيب المعاملة وعدم الاغترار بالسلطة والمكانة السياسية والاجتماعية وعدم التطلع إلى سمعة أو رياء من وراء ما يقدمانه من أعمال إنسانية وخيرية.
فأسأل الله أن يتقبل منهم هذه الجهود الخيرية والإنسانية المباركة، وأن يجزيهم خير الجزاء، مع باقي أبناء الإمارات الذين تركوا آثارا عظيمة لا تنسى في إطار العمل الخيري والإنساني لمصلحة بلادنا وشعبنا، وفي مقدمتهم جميعا زايد الخير باني جامعة آدم بركة التي أصبحت أيضا معلما بارزا من معالم مؤسسات التعليم العالي في بلادنا.
فجزاهم الله عنا خير الجزاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق