مقالات

الدكتور ماهر جبارين يرسم حروفه على عمره..!! بقلم:شاكر فريد حسن

الدكتور ماهر علي جبارين الآتي من أم الفحم ، هو طبيب بمهنته، وشاعر القوافي الذي أينعت حروفه في حدائق الشعر، وعاشق الكلمة الشعرية الجميلة الصادقة المرهفة التي تسكن الروح وتعانق القلب. يكتب قصيدته باحساس عفوي مدهش، واسلوب شاعري واضح المعاني، سهل ممتنع، وبات ينظم القصيدة العمودية الموزونة بعد أن تعلم بحور الشعر وأغراضه على أيدي الشاعر العروضي ابن قرية المشهد محمود مرعي، الذي له الفضل- كما يقول-في أخذه من عالم الحروف المبعثرة الى عالم الشعر المنظوم، فكان خير معلم وخير راع وصديق في مسيرته، ولا بدع اذا قال عنه:
فمرعي أتاني بالعروض ميسرًا
لكي أنظم الأشعار نظمًا معبرا
أصدر الدكتور ماهر جبارين مجموعته الشعرية الأولى”رسمت حروفي على عمري”بعد أن اشتد واصلب عوده، ضمت باقة معطرة من أشعاره وقصائده المتنوعة في الطبيعة والغزل والوطن وهموم وطنه وبلده، وفي الحكمة والمناسبات الوطنية والاجتماعية، فحلق في دنيا الابداع، طارقًا جميع أوزان الشعر. وأثبت انه كاسمه ماهر في السباحة والعوم واصطياد الكلمات والمفردات.
الدكتور ماهر جبارين يزين فنه الشعري بلوحات باذخة وصور زاهية الألوان، ينصبها هنا وهناك في أرجائها ويعلقها على جدرانها، فهو حقًا يهتم اهتمامًا شعوريًا وعقليًا بقصيدته كعمل فني من ناحية مضمونها ومادتها وشكلها وموسيقاها وصورها الشعرية، ويحلو له أن يعنى عناية مكثفة تخلق أجنحة خيالية يحلق بها في الآفاق لترقى به في سماوات الفن،

وفي كل قصائد مجموعته الشعرية، مهما تنوعت موضوعاتها، نجده يعنى بتوفير الصور المشرقة المصقولة، في نسق متعدد الأشكال، ينعش بها النفس كما تنعشها هبات نسائم الكرمل النقية في أيام الربيع المخضوضرة.
وكما يعنى ماهر بصوره، فانه يعنى بانتقاء ألفاظه، فهي دائمًا ألفاظ موسيقية يجمعها في أبيات باسلاك من حرير، لتشكل عناقيد من الضوء المريح، وعقودًا من الأزاهير يفوح منها الشذا والعطر الناعم، ويفيض على ذلك كله من عاطفة غنائية ثرة تهيء له جوًا رومانسيًا وانسانيًا وديعًا ومنعشًا، يضفي عليه بفنه سحرًا خاصًا يستقطر معه أعلى الأصوات ليسر بها في هدوء خافت يقطر الى قلب الانسان، وفيه تجاور الوجدان، وفيه يكون فعلها، فلنسمعه وهو يستحضر عهد الصبا:
عهد الصبا والشعر خاطبني
ما زال في ليلي يسامرني
سفر اًىلمحاسن من مفاتنه
في طيه حسن يخامرني
للروح أسرار تكرمها
سحر إلهي يجاورني
والعين يا ويلي بنا فتكت
والجفن يا قلبي يحاورني
والشعر قد أرخى جدائله
كالليل في لطف يحاصرني
ويجند ماهر جبارين بلده أم الفحم في الكثير من قصائده، يعبر فيها عن حبه وعشقه وغيرته على مدينته، التي علمته الكرامة، فيهتف قائلًا في قصيدة”لسه بخير”:
أم الفحم لوا الأحرار
أم الفحم هوى الثوار
علمتنا الكرامة نعشقها
جبل النار تبقى باصرار
“القلب النابض”يا وطني
سماها رمز الإيثار
معطاؤون أبناؤها دومًا
قد ضحوا مثل الأنصار
وفي قصيدة أخرى يأسى لما حل بأم الفحم من انتشار مظاهر العنف والحقد، بعيدًا عن عاداتها الاصيلة وتاريخها الماجد، فيقول:
أم الفحم يا قيم
جود، نخوة، كرم
عند الحزم نلتئم
دحر الظلم نلتزم
أم ألفحم شامخة
تبقى حضن من ظلموا
فيها الدين رسخنا
بالأخلاق تتسم
للزيتون ملحمة
فيها الحق معتصم
قبل الروم قد غرست
قطر الجذع يحتكم
فيها التين قد شمخت
والرمان مبتسم
والخروب منتشر
والبلوط ملتحم
حب الأرض في دمنا
نبض القلب منسجم
الهموم الوطنية والاسلامية والقضايا القومية تشغل د.ماهر جبارين، فيحاكي وطنه، ويغني للأرض، وينشد للقدس، ويحكي عن جرح الشام، وينتصر لقضايا شعبه وأمته، مؤمنًا وواثقاً من انتصار الحق على الظلم والقهر والاحتلال:
وطني الجريح دماؤنا تتدفق
قلوبنا نبضت بحبك تخفق
قدر ألم بنا نجود بعمرنا
وطني فديتك بالذي أتعشق
وطني عرفتك دائمًا متألمًا
فالأرض ثكلى والمآتم تشهق
والعرب في شهواتهم قد أغرقوا
من غيهم قد شتتوا وتمزقوا
والقدس تشكو ضعفها وهوانها
زعماؤنا بعهودهم لم يصدقوا
وقود شاعرية وشعر د. ماهر جبارين، هي تجربته الوجدانية والانسانية والعاطفية، وتجيء نصوصه مشحونة بعاطفة قوية صادقة، مغلفة بألفاظ وتراكيب تتسم بالقوة والجزالة والبساطة والوضوح، بعيدًا عن الغموض والرموز، وخالية من التكلف والصنعة اللفظية، بلغة انسيابية معبرة لها جماليتها.
د. ماهر جبارين شاعر يؤمن بأن الأدب هو للحياة والشعب والمستقبل والتوعية الاجتماعية والفكرية والسياسية والثقافية، وتذويت القيم الاخلاقية النبيلة، ونجد في قصائده دعوة للتمسك بأهداب الفضيلة والقيم الاسلامية، والأخلاق السامية، والتسامح الانساني، بدلاً من العنف السائد في مجتمعنا.
فدام نبض يراعك الذي يبحر في أعماق الروح في عالم من السحر والجمال والخيال، ولك شاعرنا الفحماوي الفلسطيني د. ماهر جبارين أحلى الأمنيات والتمنيات بدوام العطاء والابداع، ونحن بانتظار مولودك الشعري الثاني، لعله يشكل اضافة نوعية أخرى في مدماك الشعر المحلي، والى الأمام على دروب الكلمة والبوح والالهام الشعري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق