مقالات

أكبر احتجاج المسلمين الهنود في العاصمة ضد انتهاك حقوقهم

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

نیو دلهي : تشهد الساحة السياسية والاجتماعية في الهند حراكاً غير مسبوق يتمثل في توحيد صفوف المجتمع المسلم بمختلف طوائف ومشاربه، بما في ذلك أهل السنة، والشيعة، والديوبندية، والبريلوية، والذين أجمعوا كلمتهم على المشاركة الفاعلة في مظاهرة كبرى سلمية دعت إليها الهيئة القضائية والدينية العليا المتمثلة في مجلس قانون أحوال المسلمين في الهند. ومن المقرر أن تُنظم هذه الوقفة الاحتجاجية التاريخية في ساحة جانتار مانتار الحيوية في العاصمة الهندية نيودلهي، يوم الخميس الموافق السابع عشر من سبتمبر لعام ألفين وستة وعشرين، في تمام الساعة الثانية ظهراً.

يأتي هذا التحرك الجماعي الواسع في توقيت حسّاس تشهده البلاد، متوجاً لمسار من التوتر والقلق المتزايد بين أبناء الأقليات والطبقات المهمشة والضعيفة التي ترى في السياسات والتوجهات الحالية تهديداً مباشراً لهويتها ووجودها. ولا تقتصر هذه المظاهرة على شريحة دون أخرى، بل تمثل تكتلاً طال طوائف المجتمع المسلم كافة لإرسال رسالة موحدة وقوية إلى دوائر صنع القرار والرأي العام المحلي والعالمي.
تستند الدعوة إلى هذه المظاهرة الضخمة إلى حزمة من القضايا الملحة والمظالم المتراكمة التي أثارت استياءً واسعاً في الأوساط الإسلامية والحقوقية. ويأتي في مقدمة هذه الدوافع التصاعد المقلق في الاعتداءات المتكررة التي تستهدف أرواح المسلمين وأموالهم وأعراضهم وكرامتهم البشرية الأساسية دون ردع قانوني كافٍ، إلى جانب الانتشار الممنهج وواسع النطاق للخطابات والخطب الاستفزازية التي تحرض علانية على الكراهية الطائفية وتغذي التعصب الديني في الشارع الهندي. كما تشمل الأسباب تنامي ظاهرة الهدم غير القانوني للمساجد والمدارس الدينية العريقة بحجج تنظيمية وإدارية واهية تهدف إلى طمس المعالم الثقافية والدينية، فضلاً عن الاعتداءات المستمرة والعبث الممنهج بأوقاف الأراضي وممتلكاتها التاريخية التي خُيرت أصلاً لأعمال البر والخير ورعاية المحتاجين. وتتوج هذه المخاوف محاولات فرض قوانين وتشريعات مثيرة للجدل والانقسام المجتمعي، على رأسها قانون الأحوال الشخصية الموحد، إضافة إلى الإجبار المثير للرفض على ترديد شعارات وأداء طقوس معينة تتعارض مع الحريات الدينية المكفولة.
وما يُميز هذه المظاهرة المرتقبة في جنتار مانتار هو تجاوزها للخلافات التقليدية والاجتهادية الداخلية التي طالما فرقت بين المكونات الإسلامية المختلفة في الهند. فقد أعلنت المرجعيات والهيئات التابعة للتيارات السنية والشيعية والديوبندية والبريلوية انخراطها التام وتنسيقها المشترك لحشد الجماهير. ويعكس هذا التكاتف إدراكاً عميقاً لدى قيادات العمل الإسلامي بأن التحديات الراهنة لا تستهدف فئة بعينها، بل تمس الهوية الدينية والوجود المدني لكافة أبناء الأقلية المسلمة في البلاد، مما يمثل رسالة تضامن قوية تعيد ترتيب الأولويات لصالح الصف الواحد والعمل المشترك متجاوزين الانتماءات المذهبية الضيقة إلى رحاب الدفاع عن الحقوق الدستورية والكرامة الإنسانية.
وفي بلاغاتهم الرسمية الموجهة للرأي العام، شدد قيادات مجلس قانون أحوال المسلمين في الهند على أن هذه المظاهرة السلمية هي حق مشروع كفله الدستور الهندي للتعبير عن الرأي والاعتراض على السياسات المجحفة. ودعا المجلس كافة المواطنين والمجموعات الإسلامية والمثقفين والنشطاء الحقوقيين إلى الحضور المكثف والمشاركة الفاعلة يوم السابع عشر من سبتمبر لعام ألفين وستة وعشرين. وأشار البيان الصادر عن اللجنة المنظمة إلى أن هذه المشاركة الواسعة تعد المعيار الأصدق لإثبات الحمية الدينية والغيرة الوطنية، ودليلاً قاطعاً على التمسك الثابت بمبادئ العدالة والمساواة والتعايش السلمي الذي قامت عليه الدولة الهندية الحديثة، بينما تواصل اللجان التحضيرية تنسيق الجهود لضمان خروج التظاهرة بشكل حضاري وسلمي يليق بحجم القضية ومكانة العاصمة دلهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى