مقالات

بين حرية الصحافة والحقوق الاجتماعية.. هل تستعيد القوى المدنية في تونس مساحة الفعل؟

الإعلامي التونسي المعز بن رجب

تع لف بالتأكيد يا معز. بحثت في المعطيات المنشورة اليوم، ووسّعت الخلفية لتتجاوز نص البلاغ نفسه، بالاعتماد خصوصاً على معطيات النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، والاتحاد العام التونسي للشغل، ومنظمة مراسلون بلا حدود، ومصادر إخبارية تونسية ودولية. اللافت أن اللقاء يأتي بعد أيام قليلة من إيقاف الصحفي محمد اليوسفي، وفي سياق تقول فيه نقابة الصحفيين إن البيئة الإعلامية تشهد تآكلاً للضمانات، بينما يضع تصنيف مراسلون بلا حدود تونس في المرتبة 137 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026. �

Reuters +2
وهذه صياغة تحليلية إخبارية بنَفَس الجزيرة، وليست مجرد إعادة إنتاج للبلاغ:
Écriture
بين حرية الصحافة والحقوق الاجتماعية.. هل تستعيد القوى المدنية في تونس مساحة الفعل؟
تونس ــ لم يكن اللقاء الذي جمع، الاثنين 7 سبتمبر/أيلول 2026، نقيب الصحفيين التونسيين زياد الدبار بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي مجرد لقاء تضامني عابر، في وقت تبدو فيه الساحة التونسية أمام أسئلة أكبر من حدود المهنة الصحفية أو المطالب النقابية.
فالاجتماع، الذي حضرته عضوة المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين جيهان اللواتي والأمين العام المساعد لاتحاد الشغل سليم البوزيدي، حمل عنوانين متداخلين: حرية الصحافة من جهة، والأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.
وبين العنوانين تبرز قضية تبدو أكثر إلحاحاً: هل تستطيع القوى المدنية التونسية إعادة بناء مساحة مشتركة للدفاع عن الحقوق والحريات، في ظل ما تصفه منظمات مهنية وحقوقية بتراجع المجال العام وتزايد الضغوط على الصحفيين والنشطاء؟
اليوسفي.. قضية تتجاوز شخص الصحفي
جاء اللقاء بعد أيام من إيقاف الصحفي ورئيس تحرير موقع “الكتيبة” محمد اليوسفي، الذي أوقفته السلطات يوم الجمعة الماضي، قبل أن تتم إحالته على البحث والتحقيق.
وأثار توقيف اليوسفي ردود فعل واسعة في الوسط الصحفي، خصوصاً أن نقابة الصحفيين اعتبرت أن القضية ترتبط بممارسة العمل الصحفي وحق التعبير، وطالبت بضمان حقوقه واحترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة. كما أفادت تقارير الاثنين بتمديد الاحتفاظ به 48 ساعة إضافية، بعد تعرضه لوعكة صحية استوجبت نقله إلى المستشفى وخضوعه لتدخل جراحي.
في المقابل، نقلت مصادر إعلامية عن مصدر قضائي أن القضية تتعلق بشبهات الإثراء غير المشروع وغسل الأموال، وهو ما يجعل من الضروري، مهنياً، الفصل بين الوقائع القضائية ومسألة الحق في الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.
لكن أهمية قضية اليوسفي بالنسبة إلى الصحفيين لا تكمن فقط في شخصه، بل في السؤال الأوسع الذي تطرحه: إلى أي مدى يستطيع الصحفي التونسي ممارسة عمله في بيئة تتقاطع فيها المسؤولية القانونية مع حرية التعبير؟
أرقام تقول إن الأزمة أعمق من حادثة واحدة
اللقاء بين نقابة الصحفيين واتحاد الشغل يأتي في سياق أوسع.
ففي تقريرها السنوي الصادر في مايو/أيار 2026، سجلت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين 154 اعتداءً على الصحفيين خلال الفترة الممتدة من أبريل/نيسان 2025 إلى أبريل/نيسان 2026.
ويشير التقرير إلى أن عدد الاعتداءات، وإن كان قد تراجع مقارنة بالسنوات السابقة، لا يعني بالضرورة تحسناً جوهرياً في البيئة الصحفية، إذ ترى النقابة أن طبيعة الضغوط وأشكالها تغيرت، في ظل تضييق على النفاذ إلى المعلومة وضغوط سياسية واقتصادية ومهنية.
أما منظمة مراسلون بلا حدود، فقد وضعت تونس في المرتبة 137 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، مقارنة بالمرتبة 129 في تصنيف 2025. وتقول المنظمة إن استخدام الملاحقات القانونية والمرسوم 54، إلى جانب الضغوط الإدارية والقضائية، أصبح من أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى الصحفيين.
وهكذا، فإن قضية اليوسفي تبدو جزءاً من مشهد أكبر، لا حادثة منفصلة عن السياق.
من الصحافة إلى النقابة.. مساحة عامة تضيق
الأهم في لقاء الاثنين أن نقابة الصحفيين لم تتحدث فقط عن الصحفيين، واتحاد الشغل لم يتحدث فقط عن العمال.
البلاغ الصادر عن اللقاء وضع الطرفين أمام صورة أوسع: وضع الحريات، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ومسؤولية القوى المدنية في هذه المرحلة.
وهنا تكمن دلالة اللقاء.
فالصحافة لا تعمل في فراغ، كما أن الحقوق الاجتماعية لا يمكن فصلها عن الحق في التعبير والتنظيم والوصول إلى المعلومة.
العامل الذي يطالب بحقوقه يحتاج إلى فضاء عام يستطيع فيه التعبير عن مطالبه، والصحفي الذي يحقق في ملف اجتماعي أو اقتصادي يحتاج إلى بيئة تسمح له بالوصول إلى المعلومات دون خوف أو ضغط.
ومن هذه الزاوية، تصبح حرية الصحافة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وجهين لأزمة واحدة تتعلق بقدرة المجتمع على التعبير والتنظيم والمساءلة.
اتحاد الشغل.. من النقابة إلى الدور الوطني
يمتلك الاتحاد العام التونسي للشغل تاريخاً استثنائياً في الحياة العامة التونسية، ولا سيما منذ ثورة 2011، حين كان أحد أطراف الرباعي الراعي للحوار الوطني الذي حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2015.
لكن الاتحاد يواجه بدوره مرحلة صعبة، تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية والاقتصادية مع أسئلة تتعلق بمستقبل العمل النقابي ودوره في المجال العام.
وفي سبتمبر/أيلول الجاري، أصدر الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى جانب الهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بياناً حذر من أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة ومن تراجع الحقوق والحريات والتضييق على العمل السياسي والنقابي والمدني.
وبذلك، فإن لقاء النقابة الصحفية واتحاد الشغل لا يأتي من فراغ، بل يبدو امتداداً لحراك مدني أوسع يبحث عن صيغة للتعامل مع مرحلة شديدة الحساسية.
هل نحن أمام عودة “القوى الوسيطة”؟
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي يطرحه اللقاء هو مستقبل ما يمكن تسميته القوى الوسيطة في تونس.
فالنقابات والمنظمات المهنية والجمعيات الحقوقية لعبت تاريخياً دوراً في خلق توازن بين الدولة والمجتمع.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً في حضور العديد من هذه الأجسام، وسط أزمات داخلية وضغوط خارجية وتغير في قواعد العمل السياسي والمدني.
وفي فبراير/شباط 2026، وثقت آليات الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير والتجمع وتكوين الجمعيات مخاوف تتعلق بالقيود المفروضة على منظمات المجتمع المدني والنقابات، وبممارسة بعض الحريات الأساسية في تونس.
كما تناولت مراسلات أممية أخرى قضايا مرتبطة بالاحتجاز وحرية الرأي والتعبير واستقلال القضاء.
ومن هنا يمكن فهم عبارة “القوى المدنية” التي وردت في بلاغ اللقاء على أنها ليست مجرد توصيف سياسي، وإنما محاولة لإعادة طرح سؤال الدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمات المهنية والاجتماعية في مرحلة يبدو فيها المجال العام أكثر انغلاقاً.
من التضامن إلى الفعل
التضامن، في حد ذاته، قد يكون رسالة سياسية وأخلاقية مهمة.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد بيانات التضامن.
فإذا كانت حرية الصحافة مهددة، فالسؤال هو: ما الآليات التي يمكن اعتمادها لحمايتها؟
وإذا كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تتدهور، فكيف يمكن للقوى النقابية والمدنية أن تتحول من رد الفعل إلى المبادرة؟
وإذا كان المجتمع يعاني أزمة ثقة في المؤسسات، فهل تستطيع المنظمات المهنية والنقابية أن تستعيد جزءاً من هذه الثقة؟
هذه الأسئلة تجعل من لقاء نقابة الصحفيين واتحاد الشغل اختباراً حقيقياً لما يمكن أن يكون عليه العمل المدني المشترك في تونس.
معركة واحدة بأكثر من عنوان
تونس اليوم لا تواجه أزمة واحدة.
هناك أزمة اقتصادية، وضغوط اجتماعية، وتوتر سياسي، وأسئلة متزايدة حول الحريات، فضلاً عن أزمة ثقة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.
وفي مثل هذا السياق، قد يصبح الدفاع عن حرية الصحافة جزءاً من معركة أوسع تتعلق بحق المجتمع في المعرفة والمساءلة والنقاش.
فحرية الصحافة ليست امتيازاً للصحفيين وحدهم.
هي، في جوهرها، حق للمواطن في أن يعرف، وحق للمجتمع في أن يناقش، وحق للدولة نفسها في أن تسمع النقد قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات.
ولذلك فإن السؤال الذي يخرج من لقاء الاثنين ليس فقط: ماذا ستفعل نقابة الصحفيين واتحاد الشغل دفاعاً عن الصحفيين؟
بل ربما يكون السؤال الأوسع:
هل تستطيع القوى المدنية التونسية أن تستعيد قدرتها على المبادرة، وأن تنتقل من التضامن الظرفي إلى بناء مساحة مشتركة للدفاع عن الحريات والحقوق والمصلحة العامة؟
الإجابة لن تُقاس بعدد البيانات التي ستصدر، وإنما بما إذا كان هذا التقارب سيتحول إلى عمل مشترك، ومبادرات ملموسة، وآليات دائمة للدفاع عن حرية التعبير والحق النقابي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ففي لحظات الأزمات، لا تختبر المجتمعات فقط قوة مؤسسات الدولة، بل تختبر أيضاً قدرة المجتمع المدني على البقاء حاضراً.
وفي تونس، يبدو أن المعركة لم تعد فقط حول من يملك السلطة، بل أيضاً حول من يملك الحق في الكلام، ومن يملك القدرة على التنظيم، ومن يستطيع أن يراقب ويسائل ويقترح بديلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى