
«همسات الخير».. أيادٍ تمتد بالرحمة.. من شريف باشا إلى القرى المجاورة
منذ تأسيسها عام 2018.. تجربة أهلية بدأت بتوحيد جهود أبناء القرية، وتوسعت لرعاية الأيتام والمرضى والأسر الأولى بالرعاية.. ومساعدات وأعمال خيرية تقترب من 4 ملايين جنيه سنويًا
في قرية شريف باشا بمحافظة بني سويف، حيث تتوارث الأجيال قيم الشهامة والمروءة ومساندة المحتاج، لم يعد العمل الخيري مجرد مبادرات فردية يقوم بها أهل الخير كلٌّ على حدة، وإنما تحولت تلك الرغبة الصادقة في مساعدة الآخرين إلى عمل أهلي منظم، حمل اسم جمعية «همسات الخير»، ليصبح مع مرور السنوات أحد النماذج اللافتة للتكافل المجتمعي في المنطقة.
وخلال زيارتي الأخيرة لقرية شريف باشا، مسقط رأسي، حرصت على زيارة مقر جمعية «همسات الخير»، والوقوف عن قرب على طبيعة الخدمات التي تقدمها للأسر الأولى بالرعاية، والاستماع إلى عدد من مسؤوليها حول نشأة الجمعية ومسيرتها وأبرز أنشطتها، فكانت اللقاءات التي أجريتها مع الدكتور عبد الحميد منحد، رئيس مجلس إدارة الجمعية، والأستاذة هبة عبد العزيز عضو مجلس إدارة الحمعية، والأستاذ محمود شحاتة السكرتير العام للجمعية، فرصة للتعرف على تجربة بدأت بإمكانات محدودة، ثم أخذت في الاتساع عامًا بعد آخر.
من مبادرات فردية إلى كيان يجمع أهل الخير
يقول الدكتور عبد الحميد، رئيس مجلس إدارة جمعية همسات الخير، إن فكرة تأسيس الجمعية بدأت عام 2018، بعدما كان عدد من أبناء القرية يمارسون العمل الخيري بصورة فردية، حيث كان كل شخص يقدم ما يستطيع من مساعدة للمحتاجين.
ومن هنا جاءت فكرة جمع هذه الجهود في كيان واحد، بحيث يتم تنظيم العمل الخيري وتوحيده، وإجراء حصر للأسر الفقيرة والأكثر احتياجًا، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة في توزيع المساعدات، ويضمن وصولها إلى المستحقين.
وهكذا اجتمعت مجموعة من أبناء القرية على هدف واحد، هو تحويل الرغبة في فعل الخير إلى منظومة أكثر تنظيمًا واستمرارية، لتبدأ الجمعية رحلتها عام 2018، حاملة رسالة واضحة عنوانها الإنسان أولًا.
ثماني سنوات من التطور والعطاء
ومنذ انطلاقتها، لم تتوقف مسيرة الجمعية عند حدود المساعدات البسيطة، وإنما شهد نشاطها تطورًا ملحوظًا، سواء من حيث تنوع الخدمات أو اتساع دائرة المستفيدين.

رئيس مجلس إدارة جمعية همسات الخير
وبحسب ما أوضحه مسؤولو الجمعية خلال اللقاءات، فإن حجم المساعدات والأعمال الخيرية التي تدخل في نطاق نشاط الجمعية يقترب من 4 ملايين جنيه سنويًا، تشمل أوجهًا متعددة من الدعم، من مساعدات مالية وعينية وغذائية، إلى جانب الرعاية الصحية وكفالة الأيتام.
ويمثل هذا التطور انعكاسًا، بحسب مسؤولي الجمعية، لثقة أبناء القرية وأهل الخير في التجربة، حيث تعتمد الجمعية في جانب مهم من مواردها المالية على تبرعات ومساهمات أهل القرية والمغتربين ورجال الأعمال وأصحاب الأيادي البيضاء، إلى جانب ما تحصل عليه من مساعدات عينية من جهات ومؤسسات داعمة.
الأيتام في القلب
ومن أبرز الملفات التي تحظى باهتمام الجمعية رعاية الأيتام، حيث أطلقت برنامجًا للكفالة الشهرية، بما يوفر للأيتام دعمًا مستمرًا يساعدهم على مواجهة أعباء الحياة، ويمنحهم قدرًا من الاستقرار والرعاية.
وتكشف هذه المبادرة عن فلسفة تتجاوز تقديم المساعدة العابرة، إلى محاولة توفير دعم منتظم للفئات التي تحتاج إلى رعاية مستمرة، خاصة الأطفال الأيتام والأسر التي تفتقد مصدرًا ثابتًا للدخل.
«همسات الخير».. يد تمتد إلى المريض
ولأن الاحتياج لا يرتبط دائمًا بالطعام أو المال، توسعت الجمعية كذلك في المجال الصحي، لتقدم الدعم للمرضى غير القادرين، سواء كانوا من الأيتام أو الأسر الفقيرة.
ووفقًا لما جاء في اللقاءات، تتعاون الجمعية مع عدد من الصيدليات لتوفير الأدوية للحالات المستحقة، كما تساهم في تكاليف التحاليل والأشعة والعمليات الجراحية.
وفي بعض الحالات، قد تصل تكلفة العمليات التي تساهم الجمعية في تحملها إلى 50 أو 60 ألف جنيه، وهو ما يعكس حجم المسؤولية التي تتحملها الجمعية تجاه الحالات المرضية التي لا تملك القدرة على تحمل تكاليف العلاج.
وهنا لا يصبح التبرع مجرد مبلغ مالي، وإنما قد يتحول بصورة مباشرة إلى دواء يحتاجه مريض، أو فحص طبي يطمئن أسرة، أو عملية جراحية تعيد الأمل إلى إنسان أنهكته ظروف المرض والفقر معًا.
هبة عبد العزيز.. الخير لا يعرف بابًا واحدًا
وخلال اللقاء الذي أجريته مع الأستاذة هبة عبد العزيز، برزت صورة أخرى من صور العمل الذي تقوم به الجمعية، حيث لا يقتصر نشاطها على نوع محدد من المساعدات، وإنما يتحرك وفق احتياجات الناس وظروفهم المختلفة.
فالمساعدة، في فلسفة العمل داخل الجمعية، ليست قالبًا ثابتًا، وإنما استجابة لاحتياج حقيقي، سواء كان احتياجًا ماديًا أو عينيًا أو صحيًا أو اجتماعيًا.
وهذا التنوع في مجالات الخدمة يعكس إدراكًا لطبيعة الظروف التي تواجهها بعض الأسر، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة والعلاج، الأمر الذي يجعل من وجود مؤسسات أهلية فاعلة ضرورة حقيقية داخل المجتمع.

السكرتير العام لجمعية همسات الخير
محمود شحاتة.. تنظيم الخير يضاعف أثره
أما الأستاذ محمود شحاتة، فتناول خلال اللقاء جانبًا من التجربة التي قامت عليها الجمعية، وهي فكرة توحيد جهود أبناء المجتمع وتنظيم العمل الخيري، بدلًا من بقائه في صورة مبادرات فردية متفرقة.
وهذه الفكرة تحديدًا تمثل أحد أهم عناصر قوة التجربة؛ فحين تتجمع الأيادي التي تريد فعل الخير داخل مؤسسة واحدة، يصبح من الممكن حصر الاحتياجات، ودراسة الحالات، وترتيب الأولويات، والاستفادة من الموارد المتاحة بأكبر قدر ممكن.
البحث الاجتماعي.. المساعدة لمن يستحق
ومن الجوانب المهمة في عمل جمعية «همسات الخير» اعتمادها على البحث الاجتماعي للحالات، للتعرف على ظروف الأسر والأفراد وتحديد مدى احتياجهم.
وتقوم الجمعية بإجراء أبحاث للحالات في شريف باشا والمناطق التي يصل إليها نشاطها، حتى تكون المساعدات أكثر ارتباطًا بالاحتياج الحقيقي، وللتعرف على الحالات الأشد فقرًا، والأيتام، والمرضى، وغيرهم من الفئات التي تحتاج إلى دعم.
وهذا النهج يمنح العمل الخيري قدرًا أكبر من التنظيم، ويعزز فرص وصول المساعدة إلى من يحتاج إليها بالفعل

عضو مجلس إدارة جمعية همسات الخير
من شريف باشا إلى القرى المجاورة
ومع اتساع نشاط الجمعية وتوافر مساعدات وموارد أكبر، لم تعد خدماتها مقصورة على شريف باشا، وإنما امتدت إلى عدد من القرى والمناطق المجاورة، لتصبح دائرة المستفيدين أكثر اتساعًا.
ويؤكد هذا التوسع أن تجربة الجمعية لم تعد شأنًا محليًا ضيقًا، وإنما بدأت تتحول إلى نموذج مجتمعي يمكن أن يستفيد منه عدد أكبر من الأسر في نطاق بني سويف.
شراكات تعزز مسيرة الخير
كما ساهم التعاون مع عدد من المؤسسات والجهات الداعمة للعمل الأهلي في تعزيز قدرة الجمعية على توفير المساعدات وتوسيع نطاق توزيعها.
وأشار مسؤولو الجمعية إلى التعاون مع مؤسسة مصر الخير، وغيرها من الجهات الداعمة، حيث تحصل الجمعية على مساعدات عينية تقوم بدورها بتوزيعها على الأسر المستحقة في بني سويف والقرى المحيطة.
وتكشف هذه الشراكات عن أهمية التكامل بين الجمعيات الأهلية والمؤسسات الكبرى وأهل الخير، فكلما اتسعت دائرة التعاون، أمكن الوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين وتقديم خدمات أكثر تنوعًا.
«همسات الخير».. حكاية أهل قرية اختاروا أن يتكاتفوا
ما بين بداية متواضعة عام 2018، عندما قرر عدد من أبناء شريف باشا أن يجمعوا جهودهم الخيرية في مكان واحد، وبين واقع الجمعية اليوم، تبدو المسافة كبيرة؛ ليس فقط في حجم المساعدات، وإنما في اتساع مفهوم العمل نفسه.
فالجمعية اليوم تتحرك في أكثر من اتجاه: كفالة للأيتام، ومساندة للمرضى، وتوفير للأدوية، والمساهمة في التحاليل والأشعة والعمليات، ومساعدات مالية وعينية وغذائية، وأبحاث اجتماعية، وتوسع في القرى والمناطق المجاورة.
وخلال زيارتي لمقر الجمعية، كان من اللافت أن وراء كل نشاط من هذه الأنشطة حكاية إنسانية؛ أسرة تنتظر مساعدة، طفل يتيم يحتاج إلى من يسانده، مريض يبحث عن فرصة للعلاج، أو بيت يحتاج إلى قدر من الدعم كي يعبر ظرفًا صعبًا.
وهنا تحديدًا تتجلى القيمة الحقيقية للعمل الأهلي: أن يشعر الإنسان بأنه ليس وحده، وأن يجد في مجتمعه من يقف إلى جواره عندما تضيق به السبل.
دعوة إلى استمرار العطاء
وتبقى تجربة «همسات الخير» نموذجًا يستحق المساندة والتشجيع، ليس فقط لما قدمته خلال السنوات الماضية، وإنما لما يمكن أن تقدمه مستقبلًا إذا تواصل دعم أهل الخير والمتبرعين والمغتربين ورجال الأعمال وكل من يؤمن بأن خدمة المجتمع مسؤولية مشتركة.
فاستمرار الجمعية في أداء رسالتها، وتوسيع قاعدة المستفيدين، والوصول إلى حالات جديدة، وتقديم الدعم الطبي والاجتماعي للأسر الأولى بالرعاية، يحتاج إلى استمرار تدفق الدعم والمساهمات.
ومن هنا، فإن دعم «همسات الخير» ليس مجرد مساهمة في نشاط خيري، وإنما مشاركة في صناعة أثر إنساني حقيقي؛ فكل تبرع يمكن أن يتحول إلى وجبة تصل إلى أسرة، أو دواء لمريض، أو كفالة لطفل يتيم، أو مساعدة تفتح أمام أسرة بابًا للأمل.
وفي قرية شريف باشا، بدأت «همسات الخير» كفكرة بسيطة: أن يجتمع أهل الخير بدلًا من أن يعمل كل منهم منفردًا. ومع السنوات، كبرت الفكرة واتسعت دائرة العطاء.
فربما كان اسمها «همسات الخير».. لكن أثر الخير الذي تصنعه يستحق أن يصل صداه إلى أبعد مدى.
صور من ارشيف أنشطة الجمعية




