أبحاث ودراساتأرشيف أعمال وأبحاث الدكتورة فاطمة إغبارية

الجاهلية … هل كانت جاهلية اللغة

الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية

حين نقول «العصر الجاهلي»، تبدو التسمية مألوفة إلى درجة أننا نكاد لا نتوقف عندها. نعرف أن المقصود هو العصر الذي سبق الإسلام، ونعرف أن الشعر الذي قيل فيه يسمى شعرًا جاهليًا، وأن الأدب الذي وصلنا منه يسمى الأدب الجاهلي. لكن ماذا كانت تعني كلمة «الجاهلية» أصلًا؟ وهل كان العرب في ذلك العصر «جهلاء» بالمعنى الذي نفهمه اليوم؟

هنا تبدأ الحكاية من اللغة نفسها.

تعود كلمة «الجاهلية» إلى الجذر العربي «ج هـ ل». والجهل في العربية أوسع من مجرد انعدام العلم؛ فقد يأتي بمعنى السفه والطيش وخفة الرأي ومجانبة الحلم والرشد. ولذلك فإن اختزال «الجاهلية» في معنى الأمية أو عدم المعرفة لا يستوعب الدلالة التي حملتها الكلمة في سياقها العربي والإسلامي.

والقرآن الكريم يكشف لنا شيئًا مهمًا عن هذا المعنى. يقول تعالى:

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾

ويقول:

﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

ويقول:

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

فالجاهلية في هذه الآيات ليست اسمًا لمجتمع يفتقر إلى العلم، وإنما هي وصف لحالة في التفكير والسلوك والقيم والتصورات، في مقابل ما جاء به الإسلام من هداية وتشريع ومنظومة أخلاقية.

ومن هنا أخذت الكلمة، مع مرور الزمن، بعدًا تاريخيًا أيضًا، فأصبحت تُطلق على المرحلة التي سبقت الإسلام، ثم استقرت في المصطلح الأدبي والعلمي: العصر الجاهلي، الشعر الجاهلي، الأدب الجاهلي.

لكن هنا تظهر المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا:

إذا كان العصر جاهليًا، فهل كانت لغته جاهلة؟

الواقع يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

فالعرب قبل الإسلام امتلكوا لغة ذات قدرة عالية على التصوير والتعبير، وكان الشعر عندهم أكثر من مجرد كلام موزون؛ كان ذاكرة تحفظ الأحداث، ولسانًا يعبر عن القبيلة، ووسيلة للفخر والهجاء والمدح والرثاء والحكمة والحب.

وكان الشاعر يعيش اللغة من داخلها، لا من خلال كتب القواعد والمعاجم. ولذلك أصبحت نصوص الشعر العربي القديم، بعد ذلك، من أهم المصادر التي رجع إليها علماء العربية في فهم اللغة وإثبات أساليبها ومعاني ألفاظها.

فالنحوي واللغوي لم يكن ينظر إلى الشعر الجاهلي بوصفه أثرًا أدبيًا فحسب، وإنما كان يجد فيه شاهدًا لغويًا يستعين به في تفسير القرآن، وإثبات معنى لفظ، أو توضيح تركيب، أو الاحتجاج لقاعدة من قواعد العربية.

وهنا تتكشف مفارقة شديدة الدلالة:

العصر الذي حمل اسم «الجاهلية» أصبحت لغته نفسها من أهم الشواهد التي استند إليها علماء العربية في بناء علوم اللغة.

ولهذا لا ينبغي أن نفهم «الجاهلية» على أنها حكم على العرب بالعجز عن المعرفة، ولا أن نفهمها على أنها وصف للغة العربية في ذلك العصر بالقصور.

فالجاهلية شيء، والجهل شيء آخر.

قد يكون الإنسان واسع المعرفة في مجال، لكنه يجهل في مجال آخر. وقد تمتلك أمة براعة لغوية وفنية كبيرة، بينما تعيش في الوقت نفسه منظومة من التصورات والقيم التي يأتي دين جديد ليعيد النظر فيها ويغير كثيرًا من ملامحها.

ومن هذه الزاوية يصبح وصف العصر بالجاهلية أكثر دقة وأقل اختزالًا.

إنه لا يقول إن العرب لم يعرفوا شيئًا، ولا إن العربية كانت لغة ناقصة تنتظر الإسلام حتى تكتمل. وإنما يشير، في سياقه الإسلامي، إلى حالة ثقافية وقيمية ودينية سبقت التحول الذي أحدثه الإسلام.

ولذلك فإن القول إن «العصر الجاهلي» كان عصر الجهل باللغة قول لا تصمد أمامه حقيقة التراث العربي نفسه.

فالعربية لم تكن تنتظر الإسلام لكي تولد؛ كانت موجودة في كلام العرب وشعرهم وذاكرتهم. ثم جاء القرآن الكريم فكان له أثر بالغ في تاريخها، وفي تثبيت مكانتها، وفي نشوء علوم واسعة حولها: النحو، والصرف، والبلاغة، والمعاجم، وعلوم القراءات وغيرها.

ومن هنا ربما يكون من الأجمل أن نعيد النظر في الكلمة دون أن نحاكمها إلى معناها الحديث.

«الجاهلية» ليست مرادفًا بسيطًا لـ«الجهل».

إنها كلمة تحمل تاريخًا من التحول في الدلالة، وتكشف كيف يمكن للفظ واحد أن ينتقل من وصف حالة في الإنسان والمجتمع إلى تسمية مرحلة تاريخية كاملة.

ويبقى السؤال الأول حاضرًا، وربما أكثر إثارة بعد هذا كله:

الجاهلية… هل كانت جاهلية اللغة؟

الجواب، إذا نظرنا إلى تراث العربية، واضح: لا. كانت هناك جاهلية في منظومات من القيم والتصورات والسلوك، بحسب المفهوم الذي جاء به الإسلام؛ أما اللغة، فقد كانت حية، ثرية، قادرة على التعبير، حتى أصبحت نصوص ذلك العصر من أهم مفاتيح دراسة العربية نفسها.

وهكذا تكمن المفارقة في كلمة واحدة:

سُمّي العصر جاهليًا، لكن لغته لم تكن جاهلة.

ولعل هذه المفارقة بالذات هي التي تجعل كلمة «الجاهلية» جديرة بأن تُقرأ من جديد؛ لا بوصفها اسمًا لعصر مضى فحسب، بل بوصفها كلمة تكشف لنا شيئًا من تاريخ العربية، ومن تاريخ المعنى، ومن العلاقة العميقة بين اللغة والفكر والثقافة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى