أرشيف أعمال وأبحاث الدكتورة فاطمة إغباريةالرئيسيةمحاضرات

مُلَاءَمَة أم مُلَائِمَة؟ حين يكشف الضبط الصرفي عن دقة الاستعمال اللغوي عنوان محاضرتي لطلاب الدراسات العليا للناطقين بغيرها?

الدكتورة فاطمة ابوواصل اغبارية

مقدمة

تبدو بعض الكلمات العربية متشابهة في الكتابة، وقد يمرّ القارئ عليها دون أن يلحظ اختلافها في البنية أو الوظيفة. غير أن الضبط بالحركات قد يكشف عن فروق دقيقة تتصل بالصرف والنحو والدلالة، وتؤثر في اختيار اللفظ داخل الجملة.

ومن الكلمات التي تستحق الوقوف عندها:

مُلَاءَمَة
و
مُلَائِمَة

وقد يزداد الالتباس لأن الكلمتين، عند الكتابة من غير تشكيل، تكتبان غالبًا بصورة متقاربة:

ملاءمة

لكن التشابه الكتابي لا يعني التطابق في الوظيفة الصرفية.

وهنا تبرز قاعدة مهمة في الكتابة العلمية:

لا يكفي أن نعرف الكلمة؛ بل ينبغي أن نعرف صيغتها، ووظيفتها، ودلالتها، وموضعها في السياق.

أولًا: مُلَاءَمَة — مصدر

مُلَاءَمَة هي مصدر الفعل:

لاءم

بمعنى:

وافق، وناسب، وانسجم مع.

فحين نقول:

مُلَاءَمَةُ اللفظِ للمعنى

فنحن لا نصف اللفظ بأنه ملائم، وإنما نتحدث عن العلاقة التي تقوم بين اللفظ والمعنى من حيث التوافق والتناسب.

وكذلك نقول:

مُلَاءَمَةُ التعبيرِ للسياق.

أي:

توافق التعبير مع السياق.

ونقول:

مُلَاءَمَةُ الأسلوبِ للمقام.

أي:

تناسب الأسلوب مع المقام.

إذن «مُلاءمة» هنا اسم للعملية أو العلاقة نفسها.

ويمكن تقريب معناها في كثير من السياقات بكلمات:

التوافق، التناسب، الانسجام.

ثانيًا: مُلَائِمَة — صفة

أما:

مُلَائِمَة

فهي صيغة مؤنثة من:

مُلَائِم

وتأتي صفة لاسم مؤنث.

فنقول:

صياغةٌ مُلَائِمَةٌ للسياق.

أي:

صياغة مناسبة للسياق.

ونقول:

عبارةٌ مُلَائِمَةٌ للمقام.

أي:

عبارة مناسبة للمقام.

ونقول:

لغةٌ مُلَائِمَةٌ للمتلقي.

أي:

لغة مناسبة للمتلقي.

إذن «مُلائِمة» هنا لا تسمّي عملية التوافق، وإنما تصف الشيء الذي اتصف بالمناسبة والتوافق.

ثالثًا: كيف نميز بينهما؟

يمكن وضع الفرق في قاعدة بسيطة:

مُلَاءَمَة = التوافق أو التناسب نفسه.

مُلَائِمَة = صفة لما كان مناسبًا أو موافقًا.

ولننظر إلى المثالين:

المثال الأول

ندرس مُلَاءَمَةَ التعبيرِ للسياق.

هنا «مُلاءمة» مصدر؛ لأننا ندرس التوافق بين التعبير والسياق.

المثال الثاني

اخترنا صياغةً مُلَائِمَةً للسياق.

هنا «مُلائمة» صفة؛ لأنها تصف الصياغة.

وهكذا يتضح أن الفرق لا يعتمد على المعنى العام وحده، وإنما على الوظيفة الصرفية والنحوية للكلمة داخل الجملة.

رابعًا: لماذا يكثر الالتباس؟

لأن الكتابة العربية المعتادة لا تستخدم الحركات في معظم النصوص.

فعندما نكتب:

ملاءمة التعبير للسياق

فالقارئ لا يرى الحركات، وقد لا يتوقف عند البنية الصرفية.

أما عند التشكيل فنقول:

مُلَاءَمَةُ التعبيرِ للسياق.

وفي الوصف:

صياغةٌ مُلَائِمَةٌ للسياق.

وهنا يظهر الفرق بوضوح.

ومن ثم فإن السياق النحوي هو الذي يساعد على تحديد الوظيفة عندما تكون الكتابة غير مشكولة.

خامسًا: الفرق بين «الصحة» و«الاختيار»

هذه المسألة الصغيرة تقودنا إلى قضية أكبر في اللغة.

فقد يعرف الكاتب أن كلمة:

«ملاءمة»

صحيحة في سياق معين، لكن هذا لا يكفي.

بل ينبغي أن يعرف:

هل أحتاج إلى مصدر أم إلى صفة؟

فإذا كان الحديث عن العلاقة أو العملية:

مُلَاءَمَة اللفظ للمعنى.

وإذا كان الحديث عن الشيء الذي يتصف بالمناسبة:

لفظ مُلَائِم للمعنى.

وهنا نصل إلى مستوى أعمق من مجرد معرفة الصواب.

إنها معرفة:

أي صيغة أختار؟ ولماذا؟

سادسًا: تطبيق ذلك في الكتابة الأكاديمية

في الكتابة العلمية، يمكن أن نقول:

تبحث الدراسة في مُلَاءَمَة المصطلحات العلمية لموضوع البحث.

لأن «مُلاءمة» هنا موضوع الدراسة، أي مدى توافق المصطلحات مع الموضوع.

لكننا نقول:

استخدم الباحث مصطلحاتٍ مُلَائِمَةً لموضوعه.

لأن «مُلائمة» صفة للمصطلحات.

ومثل ذلك:

مُلَاءَمَة المنهج لطبيعة الدراسة.

مقابل:

منهج مُلَائِم لطبيعة الدراسة.

وهذا التفريق يمنح النص العلمي قدرًا أكبر من الدقة.

سابعًا: ما علاقة ذلك بالدلالة؟

قد يبدو الفرق صرفيًا في البداية، لكنه يكشف جانبًا من العلاقة بين الصرف والنحو والدلالة.

فالصيغة الصرفية تحدد وظيفة الكلمة:

مُلاءمة → مصدر.

بينما:

مُلائم / مُلائمة → وصف.

ثم يأتي السياق ليحدد الوظيفة التي يحتاج إليها الكاتب.

وهكذا لا تعمل مستويات اللغة منفصلة، بل تتكامل:

الصرف → النحو → الدلالة → السياق.

وهذه إحدى القضايا المهمة في تعليم اللغة العربية للباحثين وطلاب الدراسات العليا.

ثامنًا: قاعدة عملية سهلة

يمكن للكاتب أن يتذكر القاعدة الآتية:

إذا كان يستطيع أن يستبدل الكلمة بـ:

توافق / تناسب

فالغالب أنه يحتاج إلى المصدر:

مُلَاءَمَة.

مثل:

مُلاءمة اللفظ للمعنى
= توافق اللفظ مع المعنى.

أما إذا كان يستطيع أن يستبدلها بـ:

مناسب / مناسبة

فهو يحتاج إلى الصفة:

مُلَائِم / مُلَائِمَة.

مثل:

صياغة ملائمة للسياق
= صياغة مناسبة للسياق.

خاتمة

قد يبدو الفرق بين مُلَاءَمَة ومُلَائِمَة تفصيلًا صغيرًا، لكنه يفتح بابًا مهمًا في الوعي باللغة.

فاللغة الدقيقة لا تقوم على معرفة الكلمات فحسب، وإنما على معرفة صيغها ووظائفها وعلاقاتها داخل السياق.

فحين نقول:

مُلَاءَمَة اللفظ للمعنى

نحن نتحدث عن التوافق والتناسب.

وحين نقول:

لفظ مُلَائِم للمعنى

فنحن نصف اللفظ بأنه مناسب ومتوافق.

وبذلك يصبح الفرق بين الصيغتين جزءًا من الدقة العلمية، لا مجرد مسألة شكلية.

والقاعدة التي يمكن أن نحتفظ بها هي:

مُلَاءَمَةٌ: اسمٌ للتوافق والتناسب.
مُلَائِمَةٌ: صفةٌ لما كان مناسبًا ومتوافقًا.

ومن هنا يمكن أن نصل إلى مبدأ أوسع:

الكاتب المتمكن لا يسأل فقط: هل الكلمة صحيحة؟ بل يسأل: ما صيغتها؟ وما وظيفتها؟ وما أدق موضع لاستعمالها؟

وهذه هي إحدى صور الأدب اللغوي: أن نمنح الكلمة حقها من الصياغة، والسياق، والدلالة

 

 

:

:

:

.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى