مقالات

التحالف السعودي–التركي–الباكستاني: هل هو بداية نظام أمني جديد أم إعلان نهاية منظومة قديمة؟

بقلم: المعز بنرجب

لم يكن الإعلان عن اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد خبر عسكري عابر في منطقة اعتادت منذ عقود على الاتفاقيات الأمنية والتحالفات المؤقتة. فالاتفاق يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتراجع فيها قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على ضمان الاستقرار، وتتسع فيها الفجوة بين ما تريده دول المنطقة من أمن مستقل وما تستطيع القوى الدولية توفيره لها.

ومن هنا، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل ستدخل الدول الثلاث حرباً إلى جانب بعضها البعض؟

بل: لماذا اختارت هذه الدول الثلاث تحديداً أن تعلن اتفاقاً للدفاع المشترك الآن؟

الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى قراءة أوسع تتجاوز أسماء الدول الثلاث، لتصل إلى مستقبل جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، وموقع إيران وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، بل وحتى مستقبل شمال إفريقيا داخل النظام الإقليمي المقبل.

أولاً: هل نحن أمام «وفاة» جامعة الدول العربية؟

وصف الاتفاق بأنه «إعلان وفاة رسمي لجامعة الدول العربية» يحمل شحنة سياسية قوية، لكنه يحتاج إلى قدر من التدقيق.

فجامعة الدول العربية لم تمت بسبب اتفاقية دفاعية ثلاثية، لأنها أصلاً لم تكن خلال العقود الماضية إطاراً عسكرياً متكاملاً قادراً على إنتاج منظومة دفاع جماعي شبيهة بحلف شمال الأطلسي.

المشكلة أعمق من ذلك.

فالجامعة تعاني منذ سنوات من غياب القرار العربي الموحد في الملفات الكبرى: فلسطين، ليبيا، سوريا، اليمن، السودان، والعلاقات مع القوى الإقليمية والدولية.

لقد أصبحت الدول العربية تتحرك بدرجات متفاوتة وفق مصالحها الوطنية المباشرة، وأصبحت التحالفات الثنائية والثلاثية أكثر قدرة على إنتاج مواقف عملية من المؤسسات العربية الجماعية.

ومن هذه الزاوية، فإن الاتفاق الثلاثي يمثل بالفعل دليلاً إضافياً على أزمة العمل العربي المشترك، لكنه ليس سبب الأزمة ولا إعلان وفاتها.

إن الجامعة ما تزال قائمة، ولكن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع استعادة دورها في عالم عربي تتسارع فيه التحالفات خارج إطارها؟

ثانياً: مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار مختلف

أما مجلس التعاون الخليجي، فالمسألة أكثر تعقيداً.

فالمنظمة لم تفقد وجودها أو وظيفتها الاقتصادية والسياسية، لكنها تواجه حقيقة جيوسياسية جديدة: دول الخليج لم تعد قادرة على التعامل مع الأمن باعتباره قضية خليجية داخلية فقط.

إيران قريبة جغرافياً.

تركيا قوة إقليمية صاعدة.

باكستان تمتلك ثقلاً عسكرياً ونووياً.

إسرائيل أصبحت طرفاً مباشراً في معادلات الأمن الإقليمي.

والولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الخارجية الأكثر حضوراً.

وبالتالي فإن الرياض، وهي أكبر دول الخليج العربي من حيث الثقل السياسي والاقتصادي، تبحث عن دوائر أمن متعددة لا تقتصر على مجلس التعاون.

وهذا لا يعني بالضرورة نهاية المجلس.

لكنه يعني أن مفهوم الأمن الخليجي نفسه يتغير.

ثالثاً: السعودية واختبار التحالفات المتعددة

يطرح المقال الأصلي سؤالاً مشروعاً حول كثرة التحالفات التي أعلنتها السعودية خلال السنوات الماضية، ومدى قدرة هذه التحالفات على التحول من عناوين سياسية إلى منظومات عسكرية فعلية.

وهنا يجب التفريق بين التحالف السياسي، والتحالف العسكري، والتحالف العملياتي.

فليس كل إعلان عن تحالف يعني وجود غرفة عمليات مشتركة، أو قيادة عسكرية موحدة، أو قواعد اشتباك واضحة.

التجربة الإقليمية أثبتت بالفعل أن جمع عدد كبير من الدول في إطار سياسي لا يعني بالضرورة قدرتها على خوض حرب واحدة، لأن لكل دولة حساباتها الوطنية، ومخاطرها، وعلاقاتها الدولية، وحدود مشاركتها.

وهذه هي إحدى نقاط الضعف الجوهرية في التحالفات الإقليمية.

كلما ازداد عدد الأعضاء، ازدادت صعوبة الاتفاق على السؤال الأكثر حساسية:

متى يصبح الاعتداء على أحد الأعضاء اعتداءً على الجميع؟

وهذه ليست مسألة لغوية، بل مسألة استراتيجية قد تحدد مصير التحالف كله.

رابعاً: الدين لا يكفي لصناعة حلف

التحالفات لا تنجح لأنها تجمع دولاً تدين بالدين نفسه.

ولا تفشل بالضرورة لأنها تنتمي إلى مذاهب مختلفة.

العامل الحاسم هو تقاطع المصالح الاستراتيجية.

وهنا تظهر المفارقة في الاتفاق السعودي–التركي–الباكستاني.

الدول الثلاث تشترك في مساحة واسعة من الهوية الإسلامية، لكنها تختلف في الجغرافيا والمصالح والتحالفات الدولية.

تركيا لها حدود ومصالح مباشرة مع إيران.

باكستان أيضاً دولة مجاورة لإيران، ولديها حسابات أمنية معقدة تتعلق بحدودها الغربية، كما أن الهند تمثل لها أولوية استراتيجية كبرى.

السعودية، من جهتها، تنظر إلى أمن الخليج واليمن وأمن الطاقة باعتبارها ملفات حيوية.

إذن، ما يجمع الدول الثلاث مهم، لكن ما يفرقها ليس أقل أهمية.

ولهذا فإن نجاح الاتفاق لن يتحدد بالخطاب الديني، وإنما بمدى قدرة الدول الثلاث على صياغة تعريف مشترك للتهديد.

خامساً: إيران هي الاختبار الحقيقي

هنا نصل إلى العقدة الأساسية.

هل الاتفاق موجّه ضد إيران؟

ربما لا تقول الدول الثلاث ذلك رسمياً.

لكن لا يمكن تجاهل أن إيران تقع في قلب البيئة الأمنية التي تتحرك فيها الدول الثلاث، وأن تركيا وباكستان تشتركان معها في حدود جغرافية، بينما تمثل علاقتها بالسعودية أحد أهم ملفات الأمن الخليجي.

ومع ذلك، فإن افتراض أن تركيا وباكستان ستدخلان تلقائياً في حرب ضد إيران بسبب اتفاق الدفاع المشترك سيكون تبسيطاً مفرطاً.

تركيا لا تريد حرباً شاملة مع إيران.

وباكستان لا تريد حدوداً ملتهبة مع جارتها الغربية.

والسعودية نفسها انتقلت في السنوات الأخيرة من سياسة المواجهة المفتوحة مع طهران إلى محاولة إدارة العلاقة معها عبر الحوار والاتصالات.

لذلك قد يكون الاتفاق أقرب إلى أداة ردع وضمانات متبادلة منه إلى إعلان جبهة حرب.

وهنا تكمن أهميته الحقيقية.

فالردع لا يعني بالضرورة الحرب؛ بل قد يكون الهدف منه منع الحرب.

سادساً: ماذا عن إسرائيل؟

لا يمكن قراءة أي تحول أمني في الشرق الأوسط بمعزل عن إسرائيل.

فالدول العربية والإسلامية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها قوة عسكرية متقدمة ومدعومة غربياً، بينما تنظر إسرائيل بدورها إلى صعود القدرات العسكرية التركية والباكستانية والسعودية باعتباره تطوراً يجب مراقبته.

لكن المفارقة أن الدول الثلاث لا تملك الموقف نفسه تجاه إسرائيل.

تركيا لها علاقات تاريخية مع إسرائيل رغم التوترات السياسية الحادة.

السعودية تتحرك في مساحة شديدة الحساسية بين الموقف من القضية الفلسطينية والحسابات الأمريكية والإقليمية.

أما باكستان فموقفها من إسرائيل أكثر وضوحاً.

لذلك فإن تحويل الاتفاق إلى «حلف ضد إسرائيل» سيكون استنتاجاً سابقاً لأوانه.

لكن المؤكد أن أي تغيير في موازين القوى العسكرية في العالم الإسلامي سيؤثر حتماً في الحسابات الإسرائيلية.

سابعاً: اليمن يكشف اختلاف المصالح

من أكثر الملفات التي تكشف تعقيد التحالف الجديد القضية اليمنية.

السعودية تريد يمنًا مستقراً لا يشكل تهديداً لأمنها، وفي الوقت نفسه تريد أن تضمن ألا يتحول اليمن إلى قاعدة نفوذ معادية لها.

تركيا وباكستان لديهما مصالح مختلفة، وترتبط رؤيتهما باستقرار الدولة اليمنية ووحدتها وسيادتها.

وهنا تظهر مشكلة كل تحالف إقليمي:

ماذا يحدث عندما تتفق الدول على مبدأ الدفاع المشترك، لكنها تختلف في تعريف شكل الدولة التي تريد الدفاع عنها؟

هذه الأسئلة لا تحلها البيانات الدبلوماسية.

بل تحتاج إلى مفاوضات عسكرية وسياسية عميقة حول طبيعة الالتزامات.

ثامناً: تركيا ليست دولة يمكن اختزالها في أي محور

تركيا هي الحلقة الأكثر تعقيداً في هذا التحالف.

فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، ولها علاقات اقتصادية واسعة مع أوروبا، وشراكات استراتيجية مع دول الخليج، وعلاقات متشابكة مع روسيا وإيران وآسيا الوسطى.

كما أنها تعمل منذ سنوات على تطوير صناعة دفاعية وطنية جعلتها أكثر قدرة على المناورة الاستراتيجية.

ولهذا فإن أنقرة لن تتعامل مع أي تحالف بمنطق «العدو والصديق» البسيط.

تركيا تريد أن تكون قوة مستقلة القرار داخل النظام الدولي، وليس مجرد عضو في محور جديد.

وهذا ربما يفسر جانباً من جاذبية التحالف بالنسبة إليها.

تاسعاً: هل المال السعودي قادر على صناعة تحالف عسكري؟

تمتلك السعودية واحدة من أهم أوراق القوة: المال.

لكن المال يستطيع شراء الأسلحة والتكنولوجيا والتدريب، ولا يستطيع وحده صناعة عقيدة عسكرية مشتركة.

الحلف العسكري يحتاج إلى:

قيادة موحدة.

غرف عمليات.

تبادل معلومات استخباراتية.

تدريبات مشتركة.

قواعد اشتباك.

تحديد واضح للتهديدات.

آليات لاتخاذ القرار.

وتحديد مسبق لحجم ونوع التدخل عند تعرض أحد الأعضاء للخطر.

ومن دون هذه العناصر، يبقى الاتفاق إطاراً سياسياً قوياً، لكنه لا يصبح بالضرورة منظومة دفاع جماعي متكاملة.

عاشراً: العامل النووي الباكستاني

وجود باكستان في الاتفاق يعطيه بعداً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.

فباكستان قوة نووية، وهو ما يجعل مجرد وجودها داخل منظومة أمنية مع السعودية وتركيا يحمل رسالة ردع مهمة.

لكن يجب عدم المبالغة.

امتلاك باكستان للسلاح النووي لا يعني أن ترسانتها النووية أصبحت تلقائياً جزءاً من أي اتفاق دفاعي مع دولة أخرى.

فالقرار النووي الباكستاني مرتبط بعقيدة أمن قومي خاصة، وفي مقدمتها العلاقة مع الهند.

وهنا تظهر إحدى أكبر حدود الاتفاق.

فما تريده السعودية من الردع ليس بالضرورة ما تعتبره باكستان تهديداً استراتيجياً.

الحادي عشر: السؤال الذي يغيب عن كثير من التحليلات: أين العرب؟

ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو:

إذا كانت السعودية تحتاج إلى تركيا وباكستان لبناء طبقة أمن إضافية، فأين منظومة الأمن العربي؟

هنا تعود جامعة الدول العربية إلى الواجهة.

ليس المطلوب إنشاء حلف عربي يشبه الناتو بالضرورة.

لكن المطلوب على الأقل إعادة بناء مفهوم الأمن القومي العربي على أساس المصالح المشتركة، لا على أساس البيانات الموسمية.

فأمن الخليج مرتبط بأمن البحر الأحمر.

وأمن البحر الأحمر مرتبط بمصر والسودان والقرن الإفريقي.

وأمن ليبيا مرتبط بأمن تونس والجزائر ومصر.

وأمن المتوسط مرتبط بأوروبا وشمال إفريقيا.

أي أن المنطقة في النهاية شبكة أمنية واحدة، حتى لو قسمت سياسياً إلى مناطق ومحاور.

الثاني عشر: وماذا عن شمال إفريقيا؟

هنا أرى أن التحولات الحالية تفتح أمام شمال إفريقيا فرصة استراتيجية.

مصر جزء طبيعي من معادلات الشرق الأوسط بحكم موقعها وقوتها وتأثيرها.

الجزائر تمتلك ثقلاً طاقياً وعسكرياً ودبلوماسياً مهماً.

تونس تملك موقعاً جغرافياً وسياسياً يسمح لها بلعب دور الوسيط والداعم للحلول الدبلوماسية.

ليبيا تمثل عقدة أمنية مباشرة للمنطقة المغاربية والمتوسطية.

والمغرب يمتلك شبكة علاقات دولية واسعة وحضوراً متزايداً في إفريقيا.

هذه الدول ليست مطالبة بالانضمام إلى تحالف عسكري جديد.

الأهم أن تعمل على بناء منظومة أمن شمال إفريقية تركز على أمن الحدود، والإرهاب، والهجرة، والطاقة، والمياه، والغذاء، وحماية الممرات البحرية.

الثالث عشر: شمال إفريقيا السنية ليست «محوراً طائفياً»

من الخطأ أن تتحول فكرة «شمال إفريقيا السنية» إلى مشروع مذهبي مضاد لإيران.

هذا بالضبط هو الفخ الذي ينبغي تجنبه.

قوة شمال إفريقيا ليست في كون سكانها من مذهب معين، وإنما في موقعها الجغرافي وعمقها السكاني وإمكاناتها الاقتصادية وصلاتها بإفريقيا وأوروبا والعالم العربي.

وبالتالي فإن دورها المحتمل في النظام الإقليمي الجديد يجب أن يقوم على التوازن، لا الاستقطاب.

يمكن لشمال إفريقيا أن تكون جسراً بين المشرق والخليج وإفريقيا وأوروبا، بدلاً من أن تصبح طرفاً في حرب محاور جديدة.

الخاتمة: ليس موتاً للتحالفات القديمة بل ولادة لمرحلة جديدة

إن اتفاق السعودية وتركيا وباكستان لا يكفي وحده لإعلان وفاة جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي.

لكنه يكشف شيئاً أكثر أهمية:

المنطقة تبحث عن صيغة جديدة للأمن.

صيغة لا تثق تماماً بالمظلة الأمريكية، ولا تريد حرباً شاملة مع إيران، ولا تستطيع تجاهل القوة الإسرائيلية، ولا ترغب في العودة إلى الاصطفافات الجامدة التي حكمت الشرق الأوسط طوال عقود.

ولهذا فإن التحالف الجديد ينبغي أن يُقرأ باعتباره علامة على انتقال النظام الإقليمي من مرحلة التحالفات الثابتة إلى مرحلة الشراكات المرنة والمتعددة.

لكن نجاحه سيبقى رهيناً بقدرته على الانتقال من الإعلان السياسي إلى بناء مؤسسات وآليات حقيقية.

أما السؤال الأكبر فيبقى عربياً ومغاربياً:

إذا كان كل طرف إقليمي يعيد بناء أمنه عبر تحالفاته الخاصة، فهل تستطيع الدول العربية أن تعيد اكتشاف مفهوم الأمن الجماعي؟

وهل تستطيع شمال إفريقيا أن تقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على التكامل الاقتصادي والأمن المشترك والدبلوماسية الوقائية، بعيداً عن منطق المحاور والطوائف؟

ربما تكون هذه هي المعركة الحقيقية القادمة.

ليست معركة من يملك السلاح الأكثر، وإنما من يملك القدرة على صناعة القرار المستقل، وتحويل الجغرافيا إلى قوة، والثروة إلى تنمية، والتحالفات إلى أمن حقيقي يخدم الشعوب لا الأنظمة وحدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى