ما وراء الشغف: رحلة المواجهة مع الذات والمجهول
بقلم: المستشارة الدكتورة آمنة الريسي مستشارة في علم النفس السياسي وخبيرة في القيادة والحوكمة

حين يتجلى الشغف في أبهى صوره، يغدو الإنسان في حالة انصهار تام مع ما يحب، لدرجة يتلاشى معها إدراك الزمن وتغيرات المحيط الخارجي. بيد أن هذا الانغماس، رغم سموه، لا يلبث أن يفتح أبواباً لتساؤلات وجودية ملحة؛ إذ يمتزج الفضول المعرفي برهبة الغموض، ليصبح الفرد بين مطرقة الرغبة في الاكتشاف وسندان الخوف من خوض غمار المجهول.
هنا، تتحول الرحلة من مجرد سعي وراء المعرفة أو تحقيق الطموحات المهنية إلى “مواجهة جذرية مع الذات”. إنها ليست مجرد صراع مع تحديات خارجية، بل هي اشتباك صريح مع القناعات الراسخة والمخاوف الدفينة التي تأبى التحرر. في هذه اللحظة الحاسمة، تبرز التساؤلات الوجودية: هل يمتلك المرء الشجاعة الكافية للغوص في أغوار أزماته النفسية، أم يختار الانسحاب الآمن نحو منطقة الشغف المألوفة؟
إن اتخاذ قرار المواجهة يعني الدخول في مرحلة من الوعي العميق؛ حيث يبدأ الفرد بمراقبة أحاسيسه، وتتبع إيقاع نبضاته، وفك شفرات جسده التي تنبئ باقتراب كشف الحقائق المحجوبة. إنها شجاعة من نوع خاص، تؤذن ببدء سلسلة من التحولات المؤلمة، التي قد تغير خارطة العلاقات وتكشف عن وجوهٍ لم نعهدها من قبل. هكذا يتجلى “الجهد الحقيقي”؛ فهو ليس مجرد ركض محموم خلف الماديات، بل هو ارتقاءٌ بالوعي وتطهيرٌ للنفس من الرغبات المكبوتة.
وعندما تنجلي غيوم هذه الرحلة النفسية الشاقة، وتتضح الإجابات، يولد في أعماق الإنسان نوع جديد من الشجاعة، حيث يتحول الفضول القاتل الذي كان ينهك الروح إلى طاقة دافعة—أدرينالين إيجابي يغذي الطموح. ومع ذلك، يظل “الاتزان” هو المرفأ الذي يجب العودة إليه؛ فلا ينبغي للمسار، مهما بلغت جاذبيته، أن يستنزف قدرة القلب على التحمل.
ختاماً، إن الحكمة تكمن في معرفة متى نغوص في أعماق الحقائق، ومتى نعود إلى سكون الاتزان. حافظ على هدوئك، استجمع قواك، ثم قرر بوعيٍ وحكمةٍ متى ستكون وجهة رحلتك القادمة.




