خواطر

أدب الاختلاف بقلم أ.د.عبدالحفيظ الندوي

وقع خلاف بين شخصين من خير القرون في مسألة التنشيف بمنديل بعد الوضوء، وكلاهما استدل بحديث واحد. والحديث هو ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: “توضأ النبي ﷺ، فأتيتُه بثوب فلم يرده، وجعل ينفض الماء بيده” (وفي رواية أخرى أنه لم يمس الثوب).
استنتج الطرف الأول من هذا الحديث أنه لا ينبغي التنشيف، بينما يرى الطرف الثاني أنه بما أن السيدة عائشة رضي الله عنها -وهي زوجته وملازمته- قد قدمت له المنديل، فهذا يدل على أنه كان من عادته التنشيف، وربما تركه في تلك المرة لسبب ما. والأولى أن يفهم كلاهما أن الأمر فيه سعة؛ سواء نشّف المرء أعضاءه أو تركها، فليس في الأمر محرم، وليعش كل منهما في سلام دون مشاحنة.
لقد كان بين الصحابة الكرام، كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما -وهما أقرب أصحاب النبي ﷺ- اختلافات في الرأي في مواقف عديدة، ولكنها كانت اختلافات قائمة على المودة والاحترام:
١. قتال مانعي الزكاة: عندما عزم أبو بكر رضي الله عنه على قتالهم، سأله عمر رضي الله عنه: “كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؟”.
٢. جمع القرآن: بعد حرب اليمامة واستشهاد الكثير من الحفاظ، اقترح عمر رضي الله عنه جمع القرآن، فقال أبو بكر رضي الله عنه في البداية: “كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟”.
٣. أسارى بدر: في مشورة النبي ﷺ بعد غزوة بدر، رأى أبو بكر رضي الله عنه قبول الفدية وإطلاق سراح الأسرى، بينما رأى عمر رضي الله عنه معاقبتهم وقتلهم لقطع دابر الكفر. وقد أخذ النبي ﷺ برأى أبي بكر، ثم نزل القرآن موافقاً لتوجه عمر رضي الله عنه في تلك الحادثة.
الشاهد هنا أن عمر رضي الله عنه لم يتهم أبا بكر رضي الله عنه بالعمالة أو أخذ الأموال من أبي سفيان حين اختلفا، ولم يتبادلا السب أو الشتم. لقد كان لديهم ثقافة التشاور، والتسامح، وسعة الصدر.
إنما في ذلك عبرة لآولي الألباب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى