بخل النفس وهلاكها بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

تعد مسرحية “البخيل” (L’Avare) للكاتب الفرنسي الشهير موليير من الخلاصات الأدبية التي جسدت شخصية البخيل في صورة “هيرباغون”. هذا الرجل الذي أحب صندوق ماله أكثر من أي شيء آخر، عاش حياة مليئة بالقلق وعدم الاستقرار، لدرجة أنه دفن صندوقه في الحديقة خوفاً عليه، ولم يثق حتى بأبنائه. ومن شدة بخله، قرر تزويج ابنتيه “كليانتي” و”إليز” من رجلين مسنين ليتجنب تكاليف الزفاف، بل وكان يجوّع خادمه وخيله لإيمانه بأن الإنفاق ضياع.
وفي الأدب الإنجليزي، لا ننسى شخصية “شايلوك” في مسرحية “تاجر البندقية” لوليام شكسبير. ومن خلاله، ندرك أن “أفقر الناس في العالم هو الفقير في نفسه وعقله”. فبالنسبة لشايلوك، المال هو الغاية والمنتهى، حتى إن خادمه “لانسلوت غوبو” هرب منه للنجاة من ضيق بخله.
البخل: حالة نفسية لا مجرد عادة
البخل ليس مجرد سلوك، بل هو حالة نفسية تجعل المرء يمتنع عن الإنفاق حتى في الضروريات. البخيل يملك المال، لكنه يفتقر إلى إرادة الانتفاع به أو نفع أقرب الناس إليه. وغالباً ما ينتقل هذا الداء بالوراثة التربوية، حيث ينشأ الأبناء في بيئة شحيحة فيقلدون آباءهم، إلا من رحم ربي وانفتح على المجتمع وقيمه.
قصة رمزية:
يُحكى أن ثرياً شديد البخل شارف على الموت، وكان أبناؤه الأربعة مثله في الشح. اجتمعوا حوله لترتيب جنازته بأقل التكاليف:
قال الأول: “سننقل الجثمان بسيارة الفورد التي كان يحبها”.
قال الثاني: “لا، هذا مكلف، لنستخدم أي سيارة قديمة بالمنزل”.
قال الثالث: “بل ننقله بشاحنة، فهي أرخص”.
صاح الرابع: “البلدية توفر سيارة إسعاف مجانية للجنائز، فلنستخدمها!”.
حينها انتفض الأب المحتضر وصاح غاضباً: “أين حذائي يا أولاد الكلب؟ سأذهب إلى المقبرة ماشياً على قدمي!”.
الفرق بين البخل والاقتصاد
يجب أن نفرق بين التوفير (الاعتدال) وبين البخل. فالاقتصاد هو المنهج الوسط الذي يعطي كل ذي حق حقه مع تجنب الإسراف، أما البخل فهو حرمان النفس والغير من الحقوق الأساسية كالغذاء الجيد، والكساء المناسب، والعلاج، والترويح عن النفس.
البخلاء يعيشون عزلة اجتماعية، وتضيق أمامهم فرص النمو والتقدير، لأنهم ينسحبون من العمل الخيري والتكافل الاجتماعي خوفاً على أرصدتهم.
الهدي القرآني
لقد لخص القرآن الكريم الفوز الحقيقي في التحرر من هذا القيد النفسي، حيث يقول الله سبحانه وتعالى:
”وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”
(سورة الحشر: الآية 9)
فالبخل طريق الخسران، والسخاء مع الاعتدال هو طريق النجاح في الدنيا والآخرة.

