الرئيسيةمقالات

حين يتكلم الشعر… ويصغي الزمن

د. فاطمة ابوواصل إغبارية

في زمنٍ تتسارع فيه الصور وتبهت الذاكرة، يصلنا أحيانًا مشهد نادر يعيد ترتيب علاقتنا بالماضي، لا بوصفه حنينًا ساكنًا، بل باعتباره حياةً قابلة للاستعادة. هكذا كان ذلك الفيديو الذي وثّق جلسة شعرية تشبه سوق عكاظ في روحه، وتستحضر قرونًا من البلاغة العربية، من العصر الجاهلي حتى يومنا هذا.

يتقدّم المشهد إبراهيم  يحيى أبو ليلى، راوٍ مغرم بالشعر، لا يكتفي بحفظ آلاف القصائد، بل يمنحها صوتًا نابضًا بالحياة. شغفه بالزير سالم والمهلهل ليس مجرد إعجاب بشخصيات تاريخية، بل انتماء عميق إلى زمن كانت فيه الكلمة ميزان الشرف، والقصيدة سجل البطولة، واللغة هويةً كاملة لا تُساوَم.

ولم يكن المكان تفصيلًا عابرًا؛ فقد احتضنت مكة المكرمة هذه الجلسة، لتلتقي قداسة المكان بعراقة الكلمة. هناك، بدا الشعر وكأنه يستأذن الزمن ليعود، لا في قاعة مغلقة، بل في فضاء مفتوح يشبه المجالس الأولى التي عرفها أهل مكة قديمًا.

فهذه الجلسة ليست غريبة عن الذاكرة المكية؛ إنها امتداد لما عُرف قديمًا باسم (المِركاز)، وهو مجلس كان يُقام أمام المنازل، يجتمع فيه الأصدقاء ورجال الحي، يتسامرون، ويتبادلون الأخبار، وينشدون ما حفظوه من الشعر، ويروون القصص، في مشهد اجتماعي وثقافي بسيط وعميق في آنٍ واحد.

Screenshot

والمِركاز، وإن شابه الصوالين الأدبية المعروفة في بعض الدول العربية من حيث الدور الثقافي والتواصلي، إلا أنه يختلف عنها بخصوصيته؛ فهو صالون أدبي في الهواء الطلق، بلا تكلّف، حيث تمتزج الكلمة بالحياة اليومية، ويكون الأدب جزءًا من النسيج الاجتماعي لا ترفًا منفصلًا عنه.

وقد ازدادت الجلسة قيمةً بحضور معالي الدكتور عبدالعزيز بن أحمد سرحان، المستشار الخاص، والمندوب الدولي لرابطة العالم الإسلامي، ومدير مكتب رابطة العالم الإسلامي في إيطاليا، حضورٌ يحمل دلالة واضحة على أن الثقافة العربية، حين تُقدَّم بعمقها الأصيل، تصبح جسرًا للحوار الإنساني، وتتجاوز حدود المكان لتخاطب العالم.

Screenshot

وقال معالي الدكتور  عبد العزيز ورغم أن القليل من هذه المراكيز ما زال قائمًا اليوم، فإنها لا تزال تنبض بروحها الأولى. وحين أكون في مكة، أحرص على زيارة هذه المراكيز، وأدلي بدلوي بما تيسّر من شعرٍ وأدبٍ وقصص، إيمانًا بأن الذاكرة الشفوية مسؤولية جماعية، وبأن الكلمة إذا لم تُتداول تموت، وإذا قيلت في مجالسها الصحيحة عاشت طويلًا.

هكذا، بين راوٍ يحفظ الشعر كما يُحفظ النَفَس، ومكانٍ مقدّس، ومجلسٍ مفتوح على السماء، وحضورٍ فكري ودبلوماسي رفيع، يتأكد لنا أن الأمة التي تحافظ على مجالسها وكلماتها… لا تفقد جذورها ولا بوصلتها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى