الرئيسيةمقالات

من وحي المسافات

للدكتورة كريمة نور العيساوي

بعد أن ودعنا زمنا كانت تتدثر فيه الحقيقة برداء الصدق الذي كان يزين أيامنا الهادئة من طلوع الفجر حتى ساعات الليل المتأخرة، أصبحنا اليوم نعيش في زمنٍ تتكاثر فيه الصور حتى غدت كالغبار يحجب الرؤية، ونفتتح صباحاتنا البئيسة بأصوات متعالية من كل الجهات، بأسواق عكاظ جديدة تلهج بكل اللغات، وتعرض كل المنتوجات، حتى أمسى العالم صاخبا مزيفا، وفي خضم هذا الزخم الكبير بتنا نبحث عن الحقيقة كما يبحث العابر عن إبرة في كومة قش.
لم تعد الأسرة وحدها الحاضنة لأبنائها، إذ تسللت إليها دون استئذان مواقع التواصل كضيف دخيل، ضيف غير مرحب به، ملحاح يشارك في التربية، ويغرس مفاهيم غريبة وأفكاراً هدامة. غابت فسحة الحوار بين الوالدين والأبناء، وتلاشت تلك الجلسات المسائية حول المائدة، وصارت الشاشات ملاذا أولا وأخيرا، يلوذ بها كل فرد في غرفته، حتى غدا البيت فندقا باردا للنوم، لا تجمعه سوى جدران صامتة.
هيمنة الصورة طغت على المعنى، والفيلترات صارت أقنعةً زجاجية تُسوّق بها الفتيات ذواتهن، في رحلة هروب من الذات إلى الوهم. لكن ما إن تعود إحداهن إلى المرآة حتى يواجهها، ببرودة كبيرة، وجهها الحقيقي، فيرتجف قلبها بخيبة أمل، إذ ينكسر في داخلها شيء ثمين اسمه تقبّل الذات. كيف لها أن تخرج إلى الشارع بملامحها الأصلية، وتلتقي الأصدقاء بوجهها المعهود، وهي تشعر أنها تمارس تزويرا على المجتمع وتعرض شخصيتها لاضطهادٍ نفسي خفي؟
ولأن النفس البشرية مجبولة على الطموح والرغبة في الأجمل، تجد المرأة نفسها أسيرة دوامة لا تنتهي: مستحضرات تجميل، عمليات تعديل، وركض لانهائي وراء صورة مستحيلة. تنفق سنوات من الدراسة والعمل لتصبح في الأخير موردا غنيا لا ينضب لمصحات التجميل ومختبرات الزينة، بينما تضعف ثقافتها وتبتعد عن بناء أسرتها، فتغرق في زيف مجتمعي يجرها إلى طوابير الانتظار والعزلة.
ليست المرأة صورة عابرة على شاشة، بل هي نهر من عقلٍ وقلب ورسالة، شريك في الحياة وفاعل في المجتمع. ومن هنا، على الآباء أن ينتبهوا إلى هذا الشريك الدخيل الذي غيّر مفاهيمنا الأصيلة، وأن يعيدوا للأسرة دفء الحوار، وللأبناء بوصلة القيم، حتى لا نغرق جميعا في بحر غريب عن أصالتنا وعراقتنا، حيث لا يبقى لنا سوى أشباح صور بلا أرواح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى