الرئيسيةمقالات

نحو عالم بلا بؤس: رؤية في فلسفة المال والعدالة الاجتماعية في الإسلام

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

لا يختلف اثنان على أن “الفقر” هو الوحش الكاسر الذي ينهش جسد عالمنا المعاصر. فبينما نعيش في ذروة التقدم المادي، نرى فجوة مخيفة تتسع يوماً بعد يوم؛ فئة قليلة تملك كل شيء، وأغلبية ساحقة تصارع من أجل البقاء. هذا الاختلال، وما رافقه من ضياع لحقوق الفئات الأضعف كالمرأة، ليس مجرد أزمة أرقام، بل هو نتيجة مباشرة للابتعاد عن المنهج الذي وضعه خالق هذا المال وموزعه.

إن جوهر التغيير يبدأ من تصحيح نظرتنا للمال؛ فالإسلام لا يرى المال مجرد وسيلة للمتعة أو نتاجاً محضاً للجهد الشخصي، بل هو “مال الله” الذي استخلفنا فيه. نحن مجرد “مديرين” لهذا المال، مطالبين بأن يكون مصدره نقياً ومصرفه حقاً.
ضبط الإيقاع المالي: الحرب على الفساد
لقد وضع الإسلام خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها لضمان استقرار المجتمع، فكان التحريم القطعي لـ الربا والتطفيف. فالربا ليس مجرد معاملة مالية، بل هو هدم للسلم الاجتماعي وتنمية لثروات الأغنياء على حساب كد الفقراء، لذا جاء الوعيد الشديد في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. وبالمثل، حارب الإسلام الغش في الموازين (التطفيف) لضمان الأمانة في أبسط المعاملات اليومية: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}.
دورة المال: كيف يتنفس المجتمع؟
الحكمة الإلهية تقتضي ألّا يتكدس المال في جيوب فئة محددة، كما قال عز وجل: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}. ولتحقيق ذلك، فُتحت أبواب واسعة لتدوير الثروة:
١- فُرضت الزكاة لتكون حقاً معلوماً يطهر الغني وينقذ الفقير.
٢ – فُتح باب الوقف والصدقة الجارية، لتمتد يد الخير إلى ما بعد الموت؛ من بناء صروح العلم كالمساجد والمدارس إلى سقي الماء وغرس الشجر.
٣ – شُرع القرض الحسن ليكون بديلًا أخلاقياً عن الربا، يُقرض فيه الإنسان أخاه ابتغاء وجه الله.
٤- جُعلت الكفارات والفدية وسيلة لتحويل التقصير في العبادة إلى منفعة اجتماعية (إطعام المساكين).
٥- شُرعت زكاة الفطر والأضحية والعقيقة، وهي جميعاً وسائل لتعميم الفرحة وضمان كفاية المحتاج في المناسبات الكبرى.
أما المهر، فهو ليس “ثمناً” للمرأة، بل هو رمز لإكرامها وتقدير مكانتها عند الزواج، وهو حق خالص لها يمنحها استقلالاً مادياً بعيداً عن أعباء “الجهاز” التي ترهق كواهل النساء في بعض الثقافات.
إنصاف المرأة وثورة الميراث
في زمن كان فيه ميلاد الأنثى يُقابَل بالوأد، وحقوقها المالية تُنهب كغنيمة، جاء الإسلام بمنظومة إرث ثورية. لقد أقر للمرأة حقاً ثابتاً لا يقبل التأويل: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ}.
وهنا يجب أن نفهم أن هذا التوزيع ليس انتقاصاً، بل هو تكامل؛ فالرجل هو المطالب بالنفقة والمهر وكافة الالتزامات المالية، بينما يظل مال المرأة مِلكاً خالصاً لها، لا تُجبَر على صرف درهم واحد منه على أحد. إنه أمان مادي صانه الشرع بحكمة بالغة.
كلمة أخيرة:
إن الحل لأزماتنا الاقتصادية يكمن في العودة لهذه المقاصد السامية. إنها دعوة لبناء عالم يسوده التراحم لا التوحش، والعدل لا الظلم. نسأل الله أن يرزقنا طيب الكسب، وحسن العطاء، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
اللهم آمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى