الرئيسية

قلوب شاعرة حين يعانق الشعر قلب الوطن بقلم د فاطمة عيساوي

شاعر الأمة محمد ثابت

قلوب شاعرة… حين يعانق الشعر نبض الوطن، وتصافح الكلمة شغاف القلوب مع شاعر الأمة محمد ثابت
في أمسيةٍ تناثرت فيها حروف الإبداع كما تتناثر النجوم في سماء صافية، أبحر برنامج “قلوب شاعرة” في رحلة أدبية آسرة، حمل دفتها شاعر الأمة محمد ثابت، الذي قاد جمهوره إلى ضفاف الشعر والجمال، مستضيفًا الشاعر عبد الإله جابر الجبالي في لقاءٍ امتزج فيه عبير القصيدة بصدق التجربة، فكان الحوار كالغيث إذا همى، يروي أرض الفكر، ويزهر في حقول الوجدان.
منذ اللحظات الأولى، بدا الحوار كأنّه وترٌ يشدو وأنفاسٌ تتهادى؛ إذ تناول الضيف مكانة الشعر، ولا سيما الشعر الشعبي، مؤكدًا أنه ليس لهجةً عابرة، بل نبض الشارع، ولسان الوجدان، ومرآة الإنسان. وأوضح أن الكلمة الصادقة لا تُقاس بلباسها؛ أهي فصحى أم عامية، بل بما تحمله من صدق وإحساس، فالشعر – كما أشار – إذا خرج من القلب استقر في القلب.
ولم يكن الحديث عن الشعر بعيدًا عن هموم المبدعين؛ فقد دق الضيف ناقوس الاهتمام بالشعراء الشباب، مؤكدًا أن المواهب الجديدة هي بذور الغد وأغصان المستقبل، وأنها بحاجة إلى من يرعاها قبل أن تذبل في صحراء الإهمال. فكم من موهبةٍ بقيت حبيسة الظل لأنها لم تجد من يمد إليها يد العون، بينما تتجه الأضواء غالبًا نحو الأسماء اللامعة. وفي هذا السياق، دعا إلى أن تكون المؤسسات الثقافية مظلةً عادلة، تحتضن الجميع دون شخصنة أو إقصاء.
وتوقف الحوار عند الحراك الأدبي في حلوان، التي وصفها الضيف بأنها خلية نحل ثقافية لا تهدأ، حيث يحرص أدباؤها على المشاركة السنوية في معرض الكتاب، حاملين معهم رسالة الثقافة، مؤمنين بأن الأدب شجرة لا تؤتي ثمارها إلا إذا سقيت بماء الاهتمام والرعاية. وأبدى خشيته من أن تتراجع الحركة الأدبية إذا غاب الدعم الحقيقي للمبدعين.
وحين انتقل الحديث إلى عمالقة الشعر، تجلت المحبة والوفاء؛ فأشاد الشاعر عبد الإله الجبالي بـ نزار قباني، واصفًا إياه بأنه معلم الرومانسية وسفير الجمال، كما استحضر بإجلال أسماء سيد حجاب وفؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي، مستشهدًا ببعض من أشعارهم، ومبينًا أن الشعر الحقيقي هو الذي يجمع بين حرارة الإحساس وجمال الصورة وصدق التجربة.
أما عن قدوته، فقد أعلنها واضحة: أحمد فؤاد نجم، الذي وجد فيه صوت الشعب وضمير الوطن، قبل أن يفيض على الجمهور بقصيدته العاطفية “فينك إنت يا مدينتي”، التي جاءت لوحةً من الحنين، تنسج من الشوق ثوبًا، ومن الذكريات وطنًا، حتى بدت المدينة فيها كالأم التي ينتظرها أبناؤها على أعتاب الغياب.
وتنوعت ألوان اللقاء كما تتنوع ألوان الربيع؛ فمن الحب إلى الفراق، ومن العتاب إلى الشوق، ومن العذاب إلى الأمل، كان الشعر يبدل أثوابه دون أن يفقد روحه. وتحدث الضيف عن ديوانه الأول، وعن قصيدة “ليه العذاب” التي كُتبت بروح غنائية حتى وجدت طريقها إلى الغناء، كما أنشد بعضًا من قصائده التي تغنى بها الفنانون، لتبرهن أن القصيدة الجميلة لا تكتفي بأن تُقرأ، بل تُغنى وتُحفظ وتُردد.
وفي محطة أخرى، أكد أن اللغة العربية هي لغة الذوق والوجدان، وأن تعلم اللغات الأخرى يفتح آفاقًا جديدة ولا ينتقص من مكانة العربية، بل يزيدها إشراقًا. وأشار إلى تجربته في الكتابة باللغة الإنجليزية، مع بقاء العربية وطنه الأول، ومرفأه الأخير.
وعندما دار الحديث حول الشعر العامي، توقف عند أسماء لامعة مثل جمال بخيت وعبد الفتاح، مؤكدًا أن بلوغ مكانتهم لا يكون إلا بالاجتهاد، وطول النفس، والقراءة المستمرة، وأن الاقتداء بالكبار هو بداية الطريق لا نهايته.
كما تناول الحوار دور الفنان علي الحجار في تقريب الشعر الشعبي إلى الجمهور عبر الغناء، وأشاد بإسهامات عبد الرحمن الأبنودي في كتابة السيرة الهلالية وغيرها من الأعمال الخالدة، موضحًا أن شعر العامية كان في مراحل كثيرة صوت الأمة ولسانها، ولا سيما في زمن الرئيس جمال عبد الناصر، حين ارتبط بالكلمة الوطنية وبأصوات مثل عبد الحليم حافظ.
ولم يغفل الضيف الحديث عن دور المؤسسات الثقافية، مؤكدًا أن النجاح لا يبنى على العلاقات الشخصية، بل على العدالة والكفاءة، داعيًا إلى رسم خطط استشرافية لاكتشاف المواهب بالتعاون مع المؤسسات التعليمية، وتنظيم ورش إبداعية للشعراء والناشئين، وإحياء فن الواو في صعيد مصر، مع تطلعه إلى خوض تجربة الشعر الفصيح في المستقبل.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فرأى أنها لم تنتزع مكانة الكتاب الورقي، بل اختصرت المسافات، وفتحت أبواب الانتشار، وجعلت الكلمة تعبر القارات في لحظات، دون أن تلغي سحر الورق ورائحة الحبر.
وأتحف الجمهور بقصيدته “توعديني وتختفي”، كما استعرض نماذج من شعره الوطني، خاصة قصائد ديوان “سلة ذكريات” التي تناول فيها انتصارات أكتوبر، فكانت قصائد تشبه الرايات، ترفرف في سماء العزة، وتحرك الوجدان كما تحرك الريح سنابل القمح.
وعن طموحه، قال إنه لا يطمح إلى الجوائز بقدر ما يطمح إلى أن يترك أعمالًا تبقى للوطن، وأن يظل اسمه مرتبطًا بخدمة مصر، مؤكدًا أنه سيكتب لها ما دام القلب نابضًا، والقلم قادرًا على البوح.
وفي لحظة امتزجت فيها العاطفة بالفخر، تحدث عن تجربته في الجيش المصري، التي صقلت شخصيته، وعن عمله في تدريس اللغة الإنجليزية، وأسفاره خارج مصر، ليخلص إلى حقيقة مؤثرة مفادها أن البعد عن الوطن يزيده قربًا في القلب؛ فكلما ابتعد عنه، ازداد عشقًا له، وأدرك عظمة حضارته، وطيبة شعبه، ودفء ترابه، حتى غدا قلبه – على حد تعبيره – طائرًا ذبيحًا يحلق شوقًا إلى مصر.
كما استعاد ذكرياته مع الثقافة السعودية، مثنيًا على ما لمسه فيها من تقدير للأدب، قبل أن يؤكد أن عشقه للشعر العامي المصري ظل يسكن وجدانه حتى بعد عودته إلى وطنه.
وتوقف عند دور اتحاد الكتاب، داعيًا إلى أن يكون بيتًا يتسع لجميع المبدعين، قائمًا على الاحتراف والإنصاف، بعيدًا عن الشخصنة، وأن تتكاتف المؤسسات الثقافية الرسمية والخاصة لدعم النشر، ورعاية الأدباء الذين يستحقون الفرصة.
وفي كلمته الأخيرة، وجه رسالة باسم نادي أدب حلوان، أكد فيها أن النادي يفتح أبوابه لكل موهبة، ويعمل تحت مظلة وزارة الثقافة، واضعًا خدمة الأدب فوق كل اعتبار، وأن الثقافة رسالة لا تعرف الإقصاء، بل تحتضن الجميع بمحبة وعدل.
واختتم اللقاء بقصيدته “قلبي حزين”، التي جاءت كالنسيم العليل بعد رحلة عامرة بالمعاني، فأضفت على الأمسية مسحةً من الشجن الجميل، وختم شاعر الأمة محمد ثابت اللقاء بكلمات امتنان وتقدير لضيفه، واعدًا الجمهور بلقاءات جديدة تواصل إشعال قناديل الشعر، وإحياء نبض الكلمة.
لقد كان هذا اللقاء بستانًا من البلاغة، ومحرابًا للكلمة، وعزفًا على أوتار الوجدان؛ التقت فيه الفكرة بالعاطفة، والقصيدة بالوطن، والذاكرة بالمستقبل، ليؤكد أن الشعر سيظل نبض الأمم، ولسان الشعوب، وذاكرة الحضارات، ما دام في القلوب متسع للحب، وفي الأرواح شغف بالجمال.
برنامج “قلوب شاعرة” يأتي تحت رعاية الأستاذة الدكتورة فاطمة أبو واصل آغبارية، والمشرف العام المهندس عبد الحفيظ آغبارية، ويقدمه باقتدار شاعر الأمة محمد ثابت، الذي يواصل عبر هذا المنبر الثقافي ترسيخ حضور الكلمة الأصيلة، وفتح نوافذ الحوار مع رموز الشعر والإبداع في الوطن العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى