الرئيسيةمقالات

الفرق الدلالي بين «أرجو» و«أتمنى» في العربية والقرآن الكريم محاضرتي اليوم لطلاب القدرات العليا للناطقين بغيرها

الدكتورة فاطمة ابو واصل اغبارية

 مقدمة

تُعد الأفعال الدالة على المشاعر والرغبات من أكثر الأفعال استعمالًا في التواصل اليومي، ومن أكثرها إشكالًا لدى متعلمي العربية الناطقين بغيرها. ومن هذه الأفعال: أرجو وأتمنى، إذ يظن كثير من المتعلمين أنهما مترادفان تمامًا، بينما يكشف الاستعمال العربي والقرآني عن فروق دلالية دقيقة بينهما.

وتهدف هذه المحاضرة إلى بيان هذه الفروق من خلال التحليل اللغوي والسياقي والقرآني.

أولًا: مفهوم الرجاء في اللغة العربية

الرجاء مشتق من الفعل: رَجا – يَرجو – رجاءً.

ويدل على:

* انتظار أمر محبوب.

* وجود أمل في تحققه.

* اقتران الرغبة بإمكان الوقوع.

فالإنسان يرجو ما يعتقد أن له إمكانية في التحقق.

أمثلة

* أرجو النجاح في الامتحان.

* أرجو أن تصل الرسالة اليوم.

* أرجو منكم التعاون.

في هذه الأمثلة يوجد عنصران:

1. الرغبة.

2. توقع إمكانية التحقق.

ثانيًا: مفهوم التمني في اللغة العربية

التمني مشتق من الفعل:

تمنّى – يتمنّى – تمنيًا.

ويدل على:

* رغبة نفسية في حصول أمر محبوب.

* عدم اشتراط إمكانية التحقق.

* قد يكون المطلوب ممكنًا أو مستحيلًا أو بعيد المنال.

أمثلة

* أتمنى أن أزور القمر.

* أتمنى عودة الماضي.

* أتمنى السلام للبشرية.

هنا تتركز الدلالة على الرغبة ذاتها، لا على إمكانية تحققها.

ثالثًا: الفرق الدلالي بين الرجاء والتمني

يمكن تلخيص الفرق الأساسي في أن:

الرجاء مرتبط بالأمل الواقعي، أما التمني فمرتبط بالرغبة المطلقة.

لذلك يقول علماء اللغة:

الرجاء طمع في أمر ممكن الوقوع، أما التمني فهو طلب أمر محبوب سواء أكان ممكنًا أم غير ممكن.

رابعًا: مقارنة تطبيقية

المثال الأول

* أرجو أن تنجح في الامتحان.

* أتمنى أن تنجح في الامتحان.

الجملتان صحيحتان.

لكن:

* أرجو: تتضمن توقعًا معقولًا للنجاح.

* أتمنى: تركز على الرغبة والدعاء.

المثال الثاني

* أرجو أن تمطر السماء اليوم.

* أتمنى أن تمطر السماء اليوم.

في الأولى:

يوجد اعتقاد بإمكان حدوث المطر.

في الثانية:

يوجد تعبير عن الرغبة فقط.

المثال الثالث

* أتمنى أن أعود طفلًا مرة أخرى.

* أرجو أن أعود طفلًا مرة أخرى.

الجملة الأولى مقبولة.

أما الثانية فغير طبيعية في الاستعمال؛ لأن العودة إلى الطفولة مستحيلة.

خامسًا: الرجاء في القرآن الكريم

وردت مادة الرجاء في القرآن الكريم في مواضع كثيرة.

قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾

(العنكبوت: 5)

الرجاء هنا ليس أمنية مجردة، بل انتظار قائم على الإيمان والثقة.

وقال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾

(النبأ: 27)

أي لا يتوقعون وقوع الحساب ولا يؤمنون به.

نلاحظ أن الرجاء في القرآن يرتبط غالبًا بـ:

* التوقع.

* الإيمان.

* الانتظار.

* العمل المؤدي إلى المطلوب.

سادسًا: التمني في القرآن الكريم

ورد التمني بصور متعددة في القرآن.

من أشهرها قول الله تعالى:

﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾

(النبأ: 40)

وهذا تمني لأمر مستحيل الوقوع بعد فوات الأوان.

وقال تعالى:

﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾

(البقرة: 111)

أي تصوراتهم ورغباتهم التي لا تستند إلى برهان.

وفي هذه الآيات يظهر أن التمني قد يتعلق بأمور:

* مستحيلة.

* بعيدة المنال.

* غير قائمة على واقع.

سابعًا: قوله تعالى

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

(الحج: 52)

هذه الآية تحتاج إلى تنبيه خاص.

فالفعل «تمنّى» هنا لا يفهم بالضرورة بالمعنى المتداول اليوم (رغب أو اشتهى).

وقد ذكر المفسرون معاني متعددة، منها:

* إذا قرأ وتلا.

* إذا حدّث نفسه بما يحب من هداية قومه.

* إذا رغب في نجاح دعوته.

ولذلك فإن معنى «التمني» في القرآن أوسع من معناه المعاصر، ويُفهم بحسب السياق.

أما الشيطان في الآية فليس هو الذي «تمنى»، بل المقصود أنه يلقي في أمنية النبي أو في تلاوته ما يختبر الله به عباده، ثم ينسخ الله ذلك ويبطله.

ثامنًا: لماذا لم يُستعمل الرجاء في موضع التمني؟

لأن القرآن يختار اللفظ بدقة شديدة.

فلو كان المطلوب أمرًا متوقعًا أو قائمًا على سبب، استُعمل الرجاء.

أما إذا كان المقصود مجرد رغبة أو أمنية أو تصور نفسي، استُعملت ألفاظ التمني والأماني.

وهذا يبين أن:

* الرجاء أقرب إلى الواقع.

* التمني أقرب إلى الرغبة النفسية.

خاتمة

نستطيع أن نقرر في نهاية المحاضرة أن:

1. الرجاء والتمني يشتركان في معنى الرغبة.

2. الرجاء يتضمن توقعًا أو أملًا بإمكان التحقق.

3. التمني لا يشترط إمكانية التحقق.

4. الاستعمال القرآني يؤكد هذا الفرق الدلالي.

5. قد يأتي فعل «تمنّى» في القرآن بمعانٍ أوسع من معناه الشائع اليوم، ويُفهم من السياق.

القاعدة الذهبية للمتعلمين

أرجو = رغبة + إمكانية التحقق.

أتمنى = رغبة فقط، سواء كان الأمر ممكنًا أم مستحيلًا.

وبذلك يتضح أن كل رجاء يحمل معنى التمني، ولكن ليس كل تمني يحمل معنى الرجاء.

محاضرة الجمعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى