الجزء الثاني / كيف أصبحت «الجاهلية» اسمًا لعصر؟
الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية

كيف أصبحت «الجاهلية» اسمًا لعصر؟
في المقال السابق، توقفنا عند مصطلح «الجاهلية»، وسألنا سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه يقود إلى مساحة واسعة من التأمل:
الجاهلية… هل كانت جاهلية اللغة؟
وتبيّن لنا أن الجاهلية ليست مرادفًا للجهل، وأن وصف المرحلة السابقة للإسلام بالجاهلية لا يعني أن العرب كانوا يفتقرون إلى المعرفة أو أن لغتهم كانت قاصرة؛ فقد كانت العربية آنذاك لغة حيّة ثرية، وكان الشعر شاهدًا على قدرتها العالية في التعبير والتصوير والبيان، حتى أصبحت نصوص ذلك العصر من أهم الشواهد التي استند إليها علماء العربية في دراسة لغتهم.
لكن هذا يقودنا إلى سؤال آخر لا يقل أهمية:
إذا لم تكن «الجاهلية» تعني الجهل باللغة أو انعدام المعرفة، فكيف أصبحت هذه الكلمة اسمًا لعصر كامل؟
من أطلق هذه التسمية؟
ومتى انتقلت «الجاهلية» من وصفٍ لحالة في الفكر والسلوك والقيم إلى مصطلح يدل على مرحلة تاريخية سبقت الإسلام؟
وهل نحن أمام تسمية نشأت دفعة واحدة، أم أمام مفهوم تطوّر مع الزمن، حتى استقر في كتب التاريخ والأدب على صورة «العصر الجاهلي»؟
هنا تبدأ حكاية أخرى مع الكلمة نفسها…
حكاية لا تتعلق هذه المرة بما كانت عليه العربية، وإنما بتاريخ الاسم الذي أُطلق على الزمن الذي كانت فيه تلك العربية حيّةً ومزدهرة.
الكلمة قبل أن تصبح عصرًا
قبل أن تصبح «الجاهلية» اسمًا لمرحلة تاريخية، كانت الكلمة تحمل معنى أوسع من مجرد تحديد زمن.
فالجذر «ج هـ ل» من الجذور العربية التي تتسع دلالاتها، ولا تقف عند معنى فقدان المعرفة. فالجهل في العربية قد يدل على خلاف العلم، لكنه قد يدل كذلك على السفه والطيش وخفة الرأي ومجانبة الحلم.
ومن هنا يصبح فهم «الجاهلية» مرتبطًا بالسياق الذي وردت فيه الكلمة، لا بمجرد ترجمتها إلى كلمة واحدة في لغتنا المعاصرة. ويعرّف مجمع اللغة العربية بالقاهرة «الجاهلية» بأنها ما كان عليه العرب قبل الإسلام، ويورد لها كذلك معنى الزمن السابق لظهور الإسلام. (مجمع اللغة العربية بالقاهرة)
فالقرآن الكريم لم يستخدم «الجاهلية» ليقول لنا ببساطة: كان هناك قوم لا يعرفون.
وإنما وردت الكلمة في سياقات تتصل بالحكم والظن والحمية والتبرج، وهو ما يجعلها أقرب إلى وصف منظومة من التصورات والسلوكيات والقيم منها إلى شهادة عامة على مستوى المعرفة عند مجتمع بأكمله.
وهنا تبدأ المسافة بين الكلمة ومعناها التاريخي اللاحق.
فحين نقول اليوم: «العصر الجاهلي»، فإننا نستدعي في أذهاننا فترة زمنية محددة: ما قبل الإسلام.
أما حين نعود إلى النصوص الأولى، فإننا نجد كلمة «الجاهلية» تتحرك في مساحة أوسع من مجرد التقويم الزمني.
وهذا الفرق الصغير في الظاهر، مهم جدًا في فهم تاريخ المصطلح.
لأن السؤال لم يعد:
ماذا تعني الجاهلية؟
بل أصبح:
كيف انتقلت الجاهلية من وصفٍ لحالة إلى اسمٍ لزمن؟
حين أصبحت الجاهلية زمنًا
مع ظهور الإسلام، بدأت الكلمة تأخذ دلالة أكثر تحديدًا في الوعي الإسلامي.
فالجاهلية لم تعد تشير فقط إلى سلوك أو موقف أو صفة يمكن أن توجد في الإنسان، وإنما أصبحت تُستخدم أيضًا للإشارة إلى الزمن الذي عاش فيه العرب قبل الإسلام ونزول الوحي.
وينقل ابن خالويه أن لفظ «الجاهلية» أصبح في الإسلام اسمًا للزمن الذي كان قبل البعثة، كما تفيد قراءة كتب الحديث أن أصحاب الرسول كانوا يستخدمون «الجاهلية» للإشارة إلى الزمن الذي عاشوه قبل الإسلام وقبل نزول الوحي. وهذا يدل على أن للكلمة دلالة زمنية خاصة استقرت مبكرًا في الاستعمال الإسلامي. (CIA)
لكن اللافت أن هذا الانتقال لم يكن بسيطًا كما يبدو.
فالكلمة نفسها لم تفقد معناها الأصلي لتتحول فجأة إلى اسم زمني، وإنما احتفظت بدلالتها القيمية والدينية، ثم اتسعت لتصبح عنوانًا لمرحلة ارتبطت بتلك القيم والتصورات التي جاء الإسلام ليغيّر كثيرًا منها.
وهنا نفهم لماذا لا يصح أن نقرأ «الجاهلية» بمعنى واحد جامد.
فهي قد تصف حالةً أو سلوكًا، وقد تشير إلى منظومة من التصورات والعادات، وقد أصبحت في الاستعمال التاريخي تشير إلى زمنٍ سابق للإسلام.
وهذه المستويات الثلاثة تداخلت مع الزمن، حتى أصبح من السهل علينا اليوم أن نقرأ الكلمة وكأنها كانت منذ البداية اسمًا رسميًا لعصر محدد.
لكن التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالعلماء اختلفوا في تحديد بداية «الجاهلية» ونهايتها، وظهرت آراء متعددة في تحديد إطارها الزمني، بينما ارتبط في الاستعمال الإسلامي المبكر معناها بالزمن السابق للبعثة. (Arabic Books)
وهنا تظهر نقطة تستحق التأمل:
إذا كانت حدود العصر نفسه لم تكن محددة منذ البداية تحديدًا زمنيًا صارمًا، فكيف استقر لاحقًا في أذهاننا بوصفه عصرًا تاريخيًا واضح الحدود؟
الجواب يقودنا إلى مرحلة أخرى من تاريخ المصطلح:
مرحلة انتقال «الجاهلية» من المفهوم الديني والتاريخي إلى المصطلح الأدبي.
من الجاهلية إلى «الأدب الجاهلي»
ومع مرور الزمن، لم تعد «الجاهلية» مجرد تسمية لما قبل الإسلام في السياق الديني والتاريخي، وإنما دخلت الكلمة إلى مجال آخر: مجال تصنيف الأدب العربي.
فحين بدأ العلماء والرواة يجمعون الشعر والأخبار والأنساب، ويصنفون ما وصل إليهم من نتاج العرب، أصبح من الضروري التمييز بين ما قيل قبل الإسلام وما قيل بعده.
ومن هنا أخذت تظهر في كتب التراث إشارات إلى الشعر والشعراء الذين ينتمون إلى ما قبل الإسلام، ثم استقر مع الزمن التعبير عن ذلك النتاج بـالشعر الجاهلي، وعن آداب تلك المرحلة بـالأدب الجاهلي.
ولم يكن هذا التصنيف يعني أن القدماء كانوا ينظرون إلى ذلك الشعر على أنه شعر بلا قيمة أو شعر صادر عن أناس يفتقرون إلى المعرفة. على العكس تمامًا؛ فقد حفظه العلماء، ورووه، واحتجوا به، وجعلوه مادة أساسية في دراسة اللغة.
وكان الشعر، في نظر علماء العربية، أكثر من أثر أدبي؛ فقد كان شاهدًا على الاستعمال العربي، ومصدرًا من مصادر الاحتجاج باللفظ والتركيب والمعنى.
وهكذا حدثت مفارقة لافتة:
الكلمة التي ارتبطت بزمن ما قبل الإسلام أصبحت لاحقًا عنوانًا لمرحلة أنتجت النصوص التي اعتمد عليها علماء العربية في معرفة العربية نفسها.
وتوضح المصادر الحديثة في تاريخ الأدب أن مصطلح «العصر الجاهلي» استقر عنوانًا لمرحلة أدبية محددة، حتى أصبح من عناوين التأليف في تاريخ الأدب العربي. كما حُددت هذه المرحلة في بعض كتب تاريخ الأدب بالفترة الأقرب إلى الإسلام، مع تمييزها عما سُمّي بالجاهلية الأولى. (CIA)
لكن اللافت أن استعمال المصطلح لم يكن دائمًا محل اتفاق.
ففي الدراسات الحديثة ظهر نقاش حول حدود هذا العصر، وحول مدى دقة تسميته، بل استُعملت عبارات أخرى مثل «عصر ما قبل الإسلام»، رغبةً في تحديد المرحلة زمنيًا دون أن تحمل التسمية بالضرورة الحمولة القيمية التي قد يوحي بها لفظ «الجاهلية».
وهنا نصل إلى نقطة أكثر حساسية:
هل يمكن أن يكون المصطلح قد أصبح مألوفًا إلى درجة أننا نسينا أنه مصطلح؟
فنقول «الشعر الجاهلي» كما لو أن العبارة حقيقة طبيعية لا تحتاج إلى تفسير، مع أن كلمة «جاهلي» في أصلها ليست اسمًا جغرافيًا ولا عرقيًا ولا لغويًا، وإنما كلمة ذات تاريخ دلالي طويل.
وهذا لا يعني بالضرورة رفض المصطلح.
فالمصطلحات التاريخية لا تُقاس دائمًا بكونها مثالية، وإنما بقدرتها على تحديد موضوعها وتمييزه عن غيره. لكن الباحث حين يستخدم مصطلحًا كهذا لا ينبغي أن يسمح له بأن يتحول من أداة للتقسيم التاريخي إلى حكم شامل على الإنسان والثقافة واللغة.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الفصل بين شيئين:
العصر بوصفه مرحلة تاريخية، والجاهلية بوصفها مفهومًا له حمولة دينية وقيمية.
فإذا جمعنا بينهما دون تمييز، أصبح من السهل أن نقرأ كل ما أنتجه العرب قبل الإسلام من خلال كلمة واحدة: «الجاهلية».
أما إذا فصلنا بين المصطلح وسياقه، أمكننا أن نرى الصورة أكثر اتساعًا:
عربٌ عاشوا قبل الإسلام، كانت لهم معتقداتهم وعاداتهم وصراعاتهم، وكانت لهم في الوقت نفسه لغة وشعر وخطابة وحكمة ومعرفة وتجارب إنسانية وثقافية متعددة.
وهنا لا تعود المسألة دفاعًا عن عصر أو هجومًا عليه.
إنها ببساطة محاولة لفهم كيف تصنع الكلمات صورتنا عن التاريخ.
هل ظلمت التسمية العصر؟
حين يستقر مصطلح ما في الكتب والمناهج، يصبح من الصعب أن نتذكر أنه كان في الأصل اختيارًا لغويًا.
نحن نقرأ «العصر الجاهلي»، فنستحضر مباشرة زمنًا يسبق الإسلام، ونقرأ «الشعر الجاهلي»، فنفهم أننا أمام شعر قيل قبل البعثة. وقد أصبح المصطلح، من هذه الناحية، أداة واضحة وسهلة للتحديد والتقسيم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز المصطلح وظيفته الزمنية.
فكلمة «جاهلي» تحمل في أصلها دلالة قيمية ودينية، ولذلك فإن استخدامها بوصفها صفة شاملة لعصر كامل قد يترك في الذهن انطباعًا يتجاوز المقصود التاريخي.
وقد يحدث أن ينتقل الحكم من بعض الممارسات والأفكار التي عارضها الإسلام إلى تصور شامل عن الإنسان الذي عاش في ذلك الزمن، وكأن العرب قبل الإسلام كانوا جميعًا على صورة واحدة، أو كأنهم لم يعرفوا إلا الجهل والفوضى.
وهذا التعميم لا ينسجم مع طبيعة التاريخ.
فالمجتمعات، في كل زمان، ليست كتلة واحدة.
فيها العالم والجاهل، والحكيم والسفيه، والشاعر والتاجر، والمصلح والمفسد، وفيها عادات ترفضها القيم اللاحقة، وأخرى تستمر لأنها تحمل قيمة إنسانية أو اجتماعية.
والعرب قبل الإسلام لم يكونوا استثناءً من هذه القاعدة.
بل إن النصوص التي حفظها لنا التراث نفسه تكشف عن مجتمع متعدد الملامح، له أنظمته وعلاقاته وقيمه، وله كذلك تناقضاته وصراعاته.
ومن هنا فإن القراءة الأكثر إنصافًا لا تكون بإلغاء كلمة «الجاهلية»، ولا بتحويل المرحلة إلى عصر مثالي لمجرد الاعتراض على التسمية.
الإنصاف الحقيقي هو أن نعرف حدود الكلمة.
فإذا استخدمنا «الجاهلية» للدلالة على الزمن السابق للإسلام، فعلينا ألا نجعلها حكمًا على كل ما كان فيه.
وإذا استخدمناها في معناها الديني والقيمي، فعلينا أن نضعها في سياقها، وألا نحولها إلى وصف لغوي أو حضاري شامل.
وهذا التمييز مهم جدًا عندما نتحدث عن اللغة.
فالعربية التي نسمّي نصوصها اليوم «جاهلية» لم تكن لغة جاهلة، كما أن الشعر الذي وصلنا من تلك المرحلة لم يكن مجرد بقايا لغوية بدائية.
لقد كان شعرًا قادرًا على بناء الصورة، وإحكام الإيقاع، وتكثيف المعنى، والتعبير عن التجربة الإنسانية في مستويات شديدة التنوع.
ولهذا لم يكن علماء العربية في حاجة إلى إلغاء ذلك التراث كي يؤسسوا علوم اللغة؛ بل فعلوا العكس تمامًا.
عادوا إليه.
استشهدوا به.
ناقشوا ألفاظه وتراكيبه.
وجعلوه واحدًا من ميادين الاحتجاج باللغة.
وهنا تبرز مفارقة أخرى:
المصطلح الذي قد يوحي بالتأخر، أصبح التراث الذي يحمله أحد أبواب المعرفة والتأسيس.
فليس من المنطقي أن نقرأ «الشعر الجاهلي» باعتباره شعرًا ناقص اللغة، ثم نعود إلى الشعر نفسه لإثبات صحة استعمال عربي أو تفسير لفظ قرآني أو فهم تركيب لغوي.
إن هذا التناقض الظاهري لا يدل على خطأ في التراث، وإنما يدل على ضرورة أن نفهم كلمة «جاهلي» في سياقها التاريخي، وألا نحملها أكثر مما تحتمل.
حين يصبح الاسم تاريخًا
ربما لا تكمن أهمية السؤال في أن نبحث عن شخص واحد فنقول: هذا هو الذي سمّى العصر «جاهليًا».
فالمصطلحات الكبرى لا تولد دائمًا بهذه الطريقة.
أحيانًا تبدأ الكلمة بمعنى، ثم تنتقل من سياق إلى سياق، وتتسع دلالتها مع الزمن، حتى تستقر في الذاكرة الجمعية وكأنها كانت دائمًا تحمل المعنى نفسه.
وهذا ما يجعل «الجاهلية» كلمة تستحق أن نتوقف عندها.
فهي في النص القرآني تحمل دلالات تتصل بحالات من الحكم والتصور والسلوك والقيم، ثم أصبحت في الاستعمال الإسلامي دالة على ما قبل الإسلام، ثم استقرت في الدراسات التاريخية والأدبية عنوانًا لمرحلة كاملة.
وبين هذه الدلالات مسافة زمنية وثقافية لا ينبغي أن نتجاهلها.
فحين نقول اليوم «العصر الجاهلي»، فنحن نستخدم مصطلحًا تاريخيًا مألوفًا، لكن علينا أن نتذكر أن المألوف ليس بالضرورة بسيطًا.
وربما يكون الخطأ ليس في استعمال المصطلح، وإنما في نسيان حدوده.
فلا يجوز أن تتحول «الجاهلية» إلى حكم على اللغة، ولا إلى نفي للمعرفة، ولا إلى اختزال لمجتمع كامل في صورة واحدة.
فاللغة كانت موجودة، والشعر كان موجودًا، والثقافة كانت موجودة، والإنسان كان يعيش تجربته بكل ما فيها من معرفة وتناقض وقيم وصراعات.
ثم جاء الإسلام، فأحدث تحولًا عميقًا في العقيدة والتشريع والقيم والتصور الإنساني، وكان لهذا التحول أثر هائل في تاريخ العرب ولغتهم وثقافتهم.
لكن التحول لا يعني أن ما سبقه كان فراغًا.
ولا يعني أن ما كان قبل الإسلام لم تكن له لغة ولا ثقافة ولا ذاكرة.
لذلك، حين نقرأ اليوم عبارة «الأدب الجاهلي» أو «الشعر الجاهلي»، ربما يكون من المفيد أن نقرأها بعينين:
عينٍ تعرف أن «الجاهلية» مصطلح له سياقه الديني والتاريخي،
وعينٍ أخرى ترى أن النص الذي يحمل هذا الاسم كان جزءًا من تاريخ العربية، وأن لغته لم تكن تنتظر من يأتي ليمنحها الحياة.
وهنا تعود بنا الرحلة إلى السؤال الذي بدأنا منه في المقال السابق:
الجاهلية… هل كانت جاهلية اللغة؟
ثم يأتي السؤال الجديد:
وكيف أصبحت الجاهلية اسمًا لعصر؟
ولعل السؤالين معًا يكشفان لنا شيئًا أعمق:
أن الكلمات لا تصف التاريخ فقط…
بل تصنع أحيانًا الطريقة التي نتخيل بها التاريخ.
ولهذا، فإن قراءة التراث لا تبدأ دائمًا من النصوص وحدها.
أحيانًا تبدأ من كلمة واحدة…
نتوقف عندها، ونسأل: ماذا كانت تعني حين قيلت أول مرة؟ وكيف أصبحت تعني ما نفهمه منها اليوم؟
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للغة.



