الرئيسيةمقالات

المرأة في المسجد والمدرسة والميدان

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

إذا تصفحنا صفحات التاريخ الإسلامي، فسيتبين لنا بوضوح الدور الحيوي والبارز الذي اضطلعت به المرأة المسلمة في بناء المجتمع وحماية المبادئ. فمن خلال الرعاية والدعم والمقاومة في الظروف الطارئة، تركت النساء بصمات عميقة أسهمت بقوة في نمو المجتمع الإسلامي وازدهاره. وتُعلّمنا الحقبة النبوية والتاريخ اللاحق والنصوص الشرعية أن الحرب لم تكن حكراً على الرجال فحسب، بل إن مواجهة الأزمات تتطلب تكاتف الجهود الجماعية لجميع أفراد المجتمع بلا استثناء.

أنموذج ثوري للأخوة الصادقة: خولة بنت الأزور
تُعدّ الصحابية الجليلة خولة بنت الأزور (رضي الله عنها) في قمة الهرم بين نساء الإسلام الشجاعات. فلما بلغها نبأ وقوع أخيها ضرار في أسر الروم، لم تقف مكتوفة الأيدي مستسكنة للضعف البشري، بل هبّت للنجدة شجاعةً مقدامة. فارتدت زي المحاربين وتلثمت بلثامها، وامتطت صهوة جوادها مقتحمةً ساحة القتال. لقد أدهشت سرعتُها ومهارتُها العسكرية جيوش الأعداء قاطبة، حتى إن القائد العبقرى خالد بن الوليد (رضي الله عنه) نفسه قد بَهِرَ ببطولتها وشجاعتها العارمة.
وقد خلّد التاريخ كلماتها الخالدة التي تجسد أروع معاني الوفاء والأخوة: “أنا خولة بنت الأزور، أُفتش عن أخي ضرار، فهل يُعقل أن تقعد الأواتي إذا غشيَ الملماتُ الفتيةَ الأباة؟”. وُلدت خولة في العصر الخاشع للقرن الأول، وهي ابنة أزور الأسدي، وشاركت أخاها ضراراً في العديد من المعارك الضارية. ففي معركة اليرموك، قادت كوكبة من النساء لكسر شوكة الجيش البيزنطي وهزيمته. كما كان لها دور مشهود في معركتي العقاب وأجنادين. وحين وقعت في الأسر يوماً، أظهرت بسالة نادرة؛ إذ نجحت في تنظيم الأسيرات وقيادتهن للانقضاض على الحراس وتخليص أنفسهن من القيود. وقد أثنى الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وغيره من كبار الصحابة على شجاعتها العالية، بل وطُبعت صورتها ضمن سلسلة الطوابع البريدية التي أصدرتها الأردن تكريماً لـ “نساء العرب في التاريخ”.
الخدمة والمقاومة في ساحات القتال
على غرار خولة المذكورة آنفاً، يزخر التاريخ الإسلامي بنماذج مضيئة من التضحية والعطاء. فقد روت رُبيّع بنت معوّذ (رضي الله عنها) قائلة: “كنا نغزو مع النبي (صلى الله عليه وسلم)، فنَسقي الجرحى ونخدمهم، ونُداوي جراحاتهم، ونُردّ القتلى والشهداء إلى المدينة”.
ومنهن الصحابية البطلة أم عمارة نسيبة بنت كعب (رضي الله عنها)، التي جسدت نموذج المرأة المقاتلة الحاضرة لحمل السلاح والدفاع المستميت. ففي غزوة أحد، وحين تفرّق المسلمون في لحظة حرجة وصعبة، ثبتت وقفتها وذادت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بحد السيف وترامَت دونه بالقوس، كما يروي التاريخ. وقد خصّها النبي (صلى الله عليه وسلم) بثناء عاطر على تلك البطولات التي تلقت فيها جراحاً بليغة. وتُعدّ أم حرام بنت ملحان (رضي الله عنها)وجهاً آخر للتفاني حين شاركت في الغزوات البحرية وارتقت شهيدة في سبيل الله.
وفي غزوة خيبر، تواجدت نساء صحابيات جليلات منهن أم سليم (رضي الله عنها) لتقديم الرعاية الطبية للجرحى وإعداد الطعام للمجاهدين. واستمر هذا النهج الراقي في عصر الخلفاء الراشدين؛ ففي معركة اليرموك، شاركت المسلمات بقوة وفعالية بقيادة أم هاني، وأسماء بنت أبي بكر، وصفية بنت عبد المطلب (رضي الله عنها). ومن الشواهد التاريخية العظيمة: تصدي صفية (رضي الله عنها) بكل شجاعة لليهودي الذي تسلل إلى خيام النساء للتجسس عليها فقتلتْهُ، ليبقى هذا الموقف صفحة ناصعة في سجل التاريخ.
الأحكام الشرعية والرؤية الفقهية
استناداً إلى هذه الوقائع التاريخية، وضع الفقه الإسلامي أُطُراً واضحة وضوابط دقيقة لمشاركة المرأة في المعارك. وتتمثل المهام الأساسية في الدعم اللوجستي، والتمريض، وإعداد الطعام، ورفع معنويات المقاتلين. غير أن التاريخ يشهد أيضاً بأنه في الظروف الحرجة والضرورات القصوى لحماية الأرواح والأعراض والوطن، يجوز للنساء الانخراط الفعلي في القتال المباشر، بل ويصبح الجهاد في مثل تلك الحالات فرض عين عليهن.
ومما يؤكد ذلك ما أقدمت عليه نسيبة بنت كعب في أحد، وصفية بنت عبد المطلب في خيبر والخندق.
إلى جانب ذلك كله، حرصت الصحابيات الجليلات أشد الحرص على الالتزام بالوقار، والحياء، والأحكام المتعلقة بالفصل بين الجنسين، والمحافظة على الكرامة والعفة حتى وهنَّ في أتون المعارك ووسط التضحيات الجليلة. وإن هذه المحطات المضيئة من التاريخ الإسلامي لَدليلٌ قاطع على قدرة المرأة المسلمة على قيادة المجتمع والنهوض به وسط المحن والأزمات دون التخلي عن طهرها ومبادئها. وتُعلّمنا تلك السير العاطرة أن الشجاعة الحقيقية والتضحية الخالصة لا ترتبط بجنس دون آخر، بل هي قيم إنسانية عليا.
وإن قراءة النصوص الشرعية بمعزل عن هذه النماذج المعطاءة تُعدّ رؤية منقوصة ومجانبة لروح الدين، فضلاً عن كونها طعساً وإنكاراً صارخاً لحضور المرأة التاريخي ودورها الفاعل…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى