قراءة نقدية في قصيدة «أرجو قضاء الصيف في عمّان» للأستاذ. الدكتور عبد الله السلمي قراءة الدكتورة فاطمة ابوواصل إغبارية

أرجُو قَضاءَ الصَّيفِ فِي عَمّانِ
مَع مَنْ أُحِبُّ لَوَانّها تَهْوَاني !
أَو أنْ تُسَافرَ لِي وَهَل تَرْجو وهَلْ
لِوِصَالِ مَن يَهْوَى لَها، ألَا تَهْوَاني
ضَاعَتْ حُروفِي دُونَما مَعْنَى لَهَا
لٰكِنْ دُمُوعِي سَالَتْ بِها عَيْنانِ
عَيْناكِ فِيها دَمْعةٌ بِتَشَوُّقٍ
مِثْلي أنَا نَحْنُ مِنَ الْجِنَّانِ؟
لِمَ لَا يَلينُ القَلْبُ قَلبِي إنّه
فأرَاهُ حَقّا مِن حَديدٍ قَانِي
لِم أنتِ تأْبَيْنَ الوِصَالَ فَلَيس لي
إلّا التنَدّمُ مِن نَواكِ أُعَاني
أ د عبد الله السلّمي

تقدّم قصيدة «أرجو قضاء الصيف في عمّان» للشاعر أ. د. عبد الله السلّمي تجربة وجدانية تقوم على ثنائية الشوق والامتناع، وتنهض في جوهرها على خطاب عاطفي مباشر تتداخل فيه الرغبة في الوصال مع الإحساس بالنوى والعجز عن استعادة العلاقة المنشودة. ومنذ المطلع يضع الشاعر القارئ في فضاء مكاني وعاطفي معًا، حين يجعل «عمّان» مسرحًا متخيّلًا للقاء، فلا تعود المدينة مجرد مكان، وإنما تتحول إلى فضاء نفسي تتعلق به أمنية الاجتماع بالمحبوبة.
أولًا: البنية الوجدانية
تقوم القصيدة على حركة شعورية متدرجة تبدأ بالرجاء:
«أرجو قضاء الصيف في عمّانِ»
ثم تنتقل إلى التمني والافتراض، قبل أن تنتهي إلى الشكوى من الإعراض والنوى. وهذه الحركة تمنح النص خطه النفسي العام؛ فالشاعر لا يصف الحب من الخارج، بل يتكلم من داخله، ولذلك تأتي اللغة محملة بألفاظ الرجاء والوصال والهوى والتشوق والتندم والمعاناة.
وتبدو المحبوبة في النص طرفًا غائبًا حاضرًا في الوقت نفسه؛ فهي غائبة عن اللقاء، لكنها حاضرة في كل مفردات القصيدة تقريبًا. ومن هنا تتشكل مفارقة أساسية: الحضور النفسي يقابله الغياب الواقعي.
وهذه المفارقة من أنجح العناصر الدلالية في النص.
ثانيًا: من المكان إلى الحالة النفسية
اختيار «عمّان» في المطلع اختيار ذو دلالة؛ فالمدينة لا تُستثمر بوصفها وصفًا جغرافيًا، وإنما بوصفها فضاءً للحنين واللقاء. وهذا يمنح المكان وظيفة وجدانية تتجاوز حضوره الاسمي.
غير أن النص لا يواصل استثمار المكان بعد المطلع استثمارًا تصويريًا واسعًا؛ إذ تتحول القصيدة سريعًا من المكان إلى الذات والمحبوبة. ولذلك كان يمكن للمكان أن يؤدي دورًا شعريًا أعمق لو تحولت عمّان إلى عنصر من عناصر الصورة، لا مجرد إطار للقاء.
فلو حضرت المدينة بأصواتها أو ليلها أو شوارعها أو ذاكرتها، لأصبح المكان شريكًا في التجربة العاطفية، لا مجرد خلفية لها.
ثالثًا: معجم الحب والشكوى
يعتمد الشاعر معجمًا غزليًا مألوفًا: «أحب»، «تهواني»، «وصال»، «يهوى»، «دموعي»، «تشوق»، «القلب»، «تأبين الوصال»، «النوى»، «أعاني».
وهذا المعجم ينسجم مع طبيعة التجربة، لكنه في الوقت نفسه يجعل القصيدة قريبة من تقاليد الغزل العربي الموروثة. ولذلك فإن القيمة الفنية لا تكمن في المفردات ذاتها، وإنما في الطريقة التي يعيد بها الشاعر تشكيلها داخل تجربته الخاصة.
ومن هذه الزاوية، يبرز البيت:
«ضاعت حروفي دونما معنى لها
لكن دموعي سالت بها عينانِ»
بوصفه من أكثر مواضع القصيدة كثافة؛ إذ ينتقل الشاعر من عجز اللغة إلى قدرة الدمع على التعبير. فالحروف تفقد قدرتها على الإفصاح، بينما تستعيد العينان وظيفة الكلام. وهذه مقابلة دلالية موفقة بين القول والصمت، واللغة والدمع.
رابعًا: الحوار بين القلب والعقل
في قوله:
«لِمَ لا يلينُ القلبُ قلبي إنّه
فأراه حقًّا من حديدٍ قاني»
يحاول الشاعر الانتقال من مجرد الشكوى إلى بناء صورة للحالة النفسية؛ فالقلب الذي يُفترض فيه اللين يتحول إلى شيء صلب كأنه الحديد.
والصورة في أصلها واضحة الدلالة: المحبوبة لا تستجيب، وقلبها لا يلين. غير أن تركيب «حديدٍ قانٍ» يفتح مجالًا للمراجعة الفنية؛ لأن «قانٍ» يحيل في الاستعمال العربي إلى شدة الحمرة، في حين أن المقصود الأول في السياق هو الصلابة والقسوة. ومن ثم فإن الصورة تبدو بحاجة إلى إحكام أكبر للعلاقة بين طرفي التشبيه أو الاستعارة.
وهذه ملاحظة مهمة؛ لأن الصورة الشعرية الناجحة لا تقوم على غرابة اللفظ وحدها، وإنما على انسجام عناصرها الدلالية.
خامسًا: التكرار بين «الهوى» و«الهوية الصوتية»
يلحظ القارئ كثافة استعمال الفعل «يهوى/تهواني»، وهي ظاهرة تخدم الموسيقى الداخلية من جهة، لكنها من جهة أخرى تكشف عن اعتماد النص على التكرار اللفظي أكثر مما يعتمد على تنويع الصور.
وكان من الممكن أن يتحول التكرار إلى تقنية شعرية مقصودة إذا تطور معناه من بيت إلى آخر؛ أي أن تتكرر المفردة نفسها ولكن في سياقات تكشف تحولات الحب من الرجاء إلى الشك، ومن الشوق إلى العتاب، ومن الأمل إلى اليأس.
أما حين يبقى التكرار في المستوى اللفظي، فإنه قد يفقد شيئًا من طاقته الإيحائية.
سادسًا: القافية والموسيقى
تسعى القصيدة إلى المحافظة على قافية ذات حضور واضح في مجموعة من الأبيات، ولا سيما النهاية الصوتية «ـاني». وهذه القافية تمنح النص وحدة موسيقية وتساعد على تثبيت نبرته الغنائية.
غير أن المحافظة على القافية تبدو في بعض المواضع مؤثرة في اختيار اللفظ والتركيب؛ إذ يشعر القارئ أحيانًا بأن العبارة قد اتجهت نحو القافية قبل أن تستكمل بناء معناها.
وهنا تبرز قضية فنية قديمة في الشعر العربي: هل تخدم القافية المعنى أم يضطر المعنى إلى خدمة القافية؟
والقصيدة تكون أقوى حين يتحقق التوازن بين الأمرين.
أما من الناحية العروضية، فإن النص يحتاج إلى مراجعة دقيقة بيتًا بيتًا قبل القطع باستقامته على بحر خليلي واحد؛ إذ تظهر في صورته الحالية مواضع تحتاج إلى ضبط وزني وصياغي.
سابعًا: اللغة والتركيب
تتسم اللغة في معظمها بالبساطة والمباشرة، وهو أمر يتناسب مع طبيعة التجربة الوجدانية. لكن بعض التراكيب تحتاج إلى مزيد من الإحكام، ولا سيما المواضع التي تتداخل فيها الضمائر أو تتعدد فيها الاحتمالات الدلالية.
ومن أبرز ذلك:
«أو أن تسافر لي وهل ترجو وهل
لوصال من يهوى لها ألا تهواني»
فالمعنى العام يمكن استشفافه من السياق، لكن البناء التركيبي لا يقدمه بصورة شفافة، الأمر الذي يضعف التواصل بين التجربة والقارئ.
وهنا ينبغي التمييز بين الغموض الشعري المنتج، الذي يفتح النص على دلالات متعددة، وبين الالتباس التركيبي الذي يجعل القارئ يتوقف بسبب اضطراب العبارة لا بسبب عمق المعنى.
والقصيدة في بعض مواضعها تقترب من النوع الثاني.
ثامنًا: بين التقليدي والحديث
تنتمي القصيدة في بنيتها العاطفية واللغوية إلى الحس الغزلي العربي التقليدي، لكنها لا تخلو من محاولة شخصية في التعبير عن تجربة معاصرة. غير أن حضور التجربة الخاصة يمكن أن يكون أقوى لو ابتعد النص قليلًا عن المفردات الغزلية الجاهزة، واتجه إلى صور أكثر ارتباطًا بذاكرة الشاعر وفضائه الخاص.
فالقصيدة لا تحتاج إلى مفردات غريبة كي تصبح حديثة؛ بل تحتاج إلى رؤية خاصة تجعل المفردة المألوفة تبدو جديدة داخل سياقها.
وهذا هو التحدي الفني الأبرز أمام النص.
تاسعًا: التماسك الداخلي
على الرغم من وحدة الموضوع، فإن القصيدة لا تتطور دائمًا وفق بناء درامي واضح. فهي تنتقل من أمنية اللقاء إلى السفر، ثم إلى ضياع الحروف والدموع، ثم إلى تشبيه القلب بالحديد، ثم إلى العتاب والنوى.
هذه العناصر كلها تنتمي إلى المجال العاطفي نفسه، لكنها تحتاج إلى روابط أقوى تجعل القصيدة تبدو كأنها رحلة شعورية واحدة لا مجموعة من الانفعالات المتجاورة.
ولو أمكن تنظيم الحركة الداخلية على النحو الآتي:
المكان → التمني → الانتظار → العجز عن التعبير → العتاب → الانكسار → الخاتمة
لأصبحت القصيدة أكثر إحكامًا من الناحية الفنية.
عاشرًا: القيمة الفنية
تكمن قيمة القصيدة الأساسية في صدقها الوجداني، وفي قدرتها على نقل حالة المحب الذي يجد نفسه بين الرغبة في الوصال والخوف من الرفض. وهي لا تتكئ على التعقيد الفكري، بل على حرارة التجربة، وهذا يمنحها طابعًا غنائيًا واضحًا.
كما أن بعض المقابلات الدلالية فيها قابلة للتطوير، وأبرزها:
الحروف / الدموع
الوصال / النوى
اللين / الحديد
الحضور / الغياب
الرجاء / الانكسار
وهذه الثنائيات تمثل الهيكل العميق الذي يمكن أن تتأسس عليه قراءة أكثر شمولًا للنص.
خاتمة نقدية
قصيدة «أرجو قضاء الصيف في عمّان» نص وجداني يستمد قوته الأولى من صدق التجربة ووضوح الانفعال، ويستند إلى تقاليد الغزل العربي في معجمه وصوره وإيقاعه. غير أن القصيدة، في صورتها الراهنة، تحتاج إلى مراجعة فنية على مستويات الوزن والتركيب والصورة والتماسك الداخلي، لا بهدف تغيير صوت الشاعر أو إلغاء خصوصية تجربته، وإنما بهدف تحرير هذه التجربة من المواطن التي تحد من قدرتها على الوصول إلى القارئ.
ولعل أجمل ما في النص أنه يضعنا أمام حالة إنسانية قديمة ومتجددة: حين تعجز اللغة عن حمل الشوق، تتولى الدموع الكلام. ومن هنا يمكن أن يكون البيت الذي يجمع بين ضياع الحروف وانسياب الدموع مفتاحًا تأويليًا مهمًا لفهم القصيدة كلها.
وبذلك يمكن القول إن النص يمتلك نواة شعرية صادقة قابلة للتطوير، وأن قيمته لا تكمن في اكتماله الفني فحسب، وإنما في امتلاكه مادة وجدانية يمكن أن تتحول، بالمراجعة الدقيقة، إلى تجربة شعرية أكثر إحكامًا وخصوصية.