الرئيسية

في وداع المؤرخ الأديب: ذكريات عن البروفيسور سيد ظهير حسين جعفری (1959-2026)

بقلم: أ.د.عبد الحفيظ الندوي

إنَّ الموتَ حقٌّ لا ريب فيه، وهو الحقيقةُ التي تواجهُنا جميعاً في نهاية هذا المسار الدنيوي. وها هوذا البروفيسور سيد ظهير حسين جعفری يترجل عن صهوة جواده، تاركاً خلفه إرثاً علمياً وأثراً طيباً في نفوس من عرفوه. إنَّ رحيلَ هذه القامةِ العلميةِ الشامخةِ يتركُ فراغاً في الأوساط الأكاديمية والتاريخية، فقد كان رحمة الله عليه منارةً للفكر والعلم.

مسيرة علمية حافلة

كان البروفيسور جعفری علماً من أعلام قسم التاريخ في جامعة دلهي، ويُعدُّ واحداً من أبرز الباحثين في تاريخ الهند في العصور الوسطى. لم تكن خبرتُه العلمية منحصرةً في التخصص التاريخي فحسب، بل تميز أيضاً بكونه شخصيةً ذات أبعاد معرفية واسعة، جمعت بين رصانة البحث التاريخي، والتمسك بالجذور الثقافية والأخلاقية الرفيعة التي استمدها من نشأته في كنف أسرةٍ عريقةٍ لها ارتباطاتٌ وثيقة بالتقاليد الصوفية والروحية.

المنهج البحثي والإسهام الأكاديمي:

تميز الفقيد بدقة المنهج وتعمق الرؤية، خاصة في دراسة تاريخ “أود” (Awadh) خلال العهد المغولي وفترة نواب الوزير. ومن أبرز مؤلفاته التي حظيت بتقدير واسع في الأوساط العلمية:
دراسات في تشريح التحول: أود من الحكم المغولي إلى الحكم الاستعماري(1989).
1857: دراسات عن أود ودلهي، صور ووثائق.
لم تقتصر إنجازاته على هذه المؤلفات، بل قدم إسهاماتٍ جليلة في تحقيق المخطوطات والرسائل العلمية القديمة، وكان دائم الحرص على ربط التراث العلمي بالمؤسسات الأكاديمية الحديثة. لقد كان يؤمن بأنَّ المخطوطات هي وعاءُ الذاكرة، فبذل جهداً كبيراً في مكتبة “محمود غاوان” لحفظ وتوثيق هذا التراث الذي يمثل جوهر الهوية.

شخصية استثنائية

لقد كان البروفيسور جعفری مثالاً للأستاذ الجامعي الذي يجمع بين هيبة العلم وتواضع العلماء. كان لقاؤنا به بجامعة دلهي عدة مرات يترك في النفس أثراً لا يُنسى؛ حيث كان يفيض باللطف، والوقار، والابتسامة التي لا تفارق محياه، تلك الابتسامة التي تنمُّ عن نفسٍ مطمئنةٍ وقلبٍ محبٍّ للخير. كان شغوفاً بالبحث العلمي، ولا يملُّ من التنقيب بين سطور التاريخ، وكان يرى في عمله رسالةً سامية تتجاوز مجرد التدريس.

إنَّ رحيل البروفيسور سيد ظهير حسين جعفری خسارةٌ جسيمة، ليس فقط لعائلته ومحبيه، بل للحركة العلمية في الهند. لقد كان جسراً يربط بين الماضي العريق والحاضر المتجدد، وتركَ تلاميذَ يحملون مشعلَ علمه. نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويجزيه عن العلم وأهله خير الجزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى