عِنْدَمَا تَخْذُلُكَ خُطُوطُ الطَّيَرَانِ تُدْرِكُكَ وَسَائِطُ الْإِخْوَانِ!
د. إِبْرَاهِيمُ الْحَلَاشَةُ

اشْتَرَتْ جَامِعَةُ بَارْتِنْ تَذْكِرَةَ سَفَرٍ لِي مِنْ مَطَارِ إِسْطَنْبُولَ إِلَى مَطَارِ زُونْكُلْدَاكْ لِأُقَدِّمَ لِطُلَّابِهَا مُحَاضَرَةً بِعُنْوَانِ: “دَوْرُ اللُّغَةِ فِي تَشْكِيلِ الْهُوِيَّةِ”، فَجَاءَتْنِي رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ تَقُولُ: إِنَّ الرِّحْلَةَ قَدْ أُلْغِيَتْ، فَكَرَّرَتِ الْجَامِعَةُ شِرَاءَ تَذْكِرَةٍ أُخْرَى فِي مَوْعِدٍ آخَرَ، ثُمَّ وَصَلَتْنِي رِسَالَةٌ قَبْلَ يَوْمَيْنِ تَقُولُ: إِنَّ الرِّحْلَةَ هَذِهِ أَيْضًا أُلْغِيَتْ، فَاتَّصَلْتُ بِالْجَامِعَةِ وَاعْتَذَرْتُ عَنِ الْمُحَاضَرَةِ؛ لِأَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ بَرًّا لِضِيقِ وَقْتِي، وَلِذَلِكَ الْإِرْهَاقِ الَّذِي يَسْكُنُ بَدَنِي، وهو جثمان حزين أَعْيَاهُ السَّعْيُ الدَّائِمُ لِتَحْقِيقِ أَفْرَاحِ الرُّوحِ.
لَمْ تَنْتَهِ الْحِكَايَةُ هُنَا، فَقَدْ كَانَ عِنْدِي سَفَرٌ إِلَى أَنْقَرَةَ يَسْبِقُ مَوْعِدَ الْمُحَاضَرَةِ بِيَوْمَيْنِ، حَيْثُ كَانَ لَدَيَّ عَمَلٌ فِي مُؤَسَّسَةٍ فِي الْعَاصِمَةِ التُّرْكِيَّةِ، فَرَجَوْتُ مِنَ الْإِخْوَةِ فِي أَنْقَرَةَ أَنْ يُؤَخِّرُوا عَمَلِي مَعَهُمْ يَوْمًا، وَرَجَوْتُ مِنَ الْإِخْوَةِ فِي بَارْتِنْ أَنْ يُقَدِّمُوا الْمُحَاضَرَةَ يَوْمًا؛ لِكَيْ أَنْطَلِقَ مِنْ أَنْقَرَةَ إِلَى بَارْتِنْ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، وَذَلِكَ بِاقْتِرَاحٍ أَلْمَعِيٍّ مِنْ أَخٍ لَنَا عَزِيزٍ يَعْمَلُ فِي الْجَامِعَةِ؛ فمدينة بَارْتِنْ أَقْرَبُ إِلَى أَنْقَرَةَ بِكَثِيرٍ مِنْ إِسْطَنْبُولَ. وَاللَّطِيفُ أَنَّ مُدِيرَ الْمُؤَسَّسَةِ الَّتِي دَعَتْنِي فِي أَنْقَرَةَ -جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا- وَافَقَ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَ مَوَاعِيدَ أَعْمَالِنَا يَوْمًا كَامِلًا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ بِشَرْطٍ!! قُلْتُ لَهُ: مَا هُوَ الشَّرْطُ؟ قَالَ: أَنْ أُوصِلَكَ أَنَا بِسَيَّارَتِي إِلَى بَارْتِنْ (وَهِيَ تَبْعُدُ ٣٠٠ كِلْمٍ عَنْ أَنْقَرَةَ).. فَحَاوَلْتُ أَنْ أَرْفُضَ، وَلَكِنَّهُ غَلَبَنِي بِإِصْرَارِهِ، وَغَمَرَنِي بِلُطْفِهِ، فَقَبِلْتُ شَرْطَهُ، وَلَكِنْ قُلْتُ لَهُ: أُوَافِقُ عَلَى عَرْضِكَ بِشَرْطٍ!! فَقَالَ: مَا هُوَ شَرْطُكَ؟ قُلْتُ: أَنْ تَقْبَلَ أَنْ تُقِيمَ مَعَنَا فِي بَارْتِنْ لَيْلَةً، وَأَنْ نُوَفِّرَ لَكَ الْإِقَامَةَ فِيهَا مَعَنَا، فَقَبِلَ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
ثُمَّ انْتَهَتِ الْمُكَالَمَةُ الْهَاتِفِيَّةُ الْمُفْعَمَةُ بِرُوحِ الْأُخُوَّةِ، وَوَضَعْتُ هَاتِفِي عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَالْتَفَتُّ مِنْ نَافِذَةِ مَكْتَبِي، وَقُلْتُ:
عِنْدَمَا تَخْذُلُكَ خُطُوطُ الطَّيَرَانِ تُدْرِكُكَ وَسَائِطُ الْإِخْوَانِ.
د. إِبْرَاهِيمُ الْحَلَاشَةُ



