الانتخابات في ولاية كيرالا بقلم. أ.د. عبدالحفيظ الندوي

تعد الانتخابات التشريعية في ولاية كيرالا الهندية، المقرر إجراؤها في التاسع من أبريل عام 2026، حدثاً يتجاوز مجرد التنافس على مقاعد السلطة، بل هي تجسيد لثقافة سياسية فريدة تميز هذه الولاية عن بقية أجزاء الهند. فولاية كيرالا، التي تتمتع بأعلى معدلات القراءة والكتابة وأفضل المؤشرات الصحية في البلاد، تقدم نموذجاً ديمقراطياً ناضجاً يقوم على الوعي الجماهيري العميق والمشاركة الشعبية الواسعة، حيث تصبح صناديق الاقتراع وسيلة لتقييم السياسات الاجتماعية والاقتصادية بدقة متناهية.
إن المشهد السياسي في كيرالا يتشكل تقليدياً من قطبين رئيسيين ظلا يتبادلان السلطة لعقود. القطب الأول هو “جبهة اليسار الديمقراطي” (LDF) بقيادة الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي)، والتي استطاعت في عام 2021 كسر القاعدة التاريخية بالفوز بولاية ثانية على التوالي. واليوم، تدخل هذه الجبهة سباق 2026 طامحة في “هاتريك” سياسي أو ولاية ثالثة، معتمدة على سجلها في إدارة الأزمات، خاصة الكوارث الطبيعية والأوبئة، وبرامج الرعاية الاجتماعية التي تستهدف الفئات المهمشة. وترى الجبهة اليسارية أن استمرارها في الحكم هو الضمان الوحيد للحفاظ على “نموذج كيرالا” الذي يضع الإنسان في مقدمة الأولويات التنموية.
في المقابل، تبرز “الجبهة الديمقراطية المتحدة” (UDF) بقيادة حزب المؤتمر الوطني الهندي، وهي القوة التي تمثل تيار الوسط والتحالفات العريضة مع القوى الدينية والاجتماعية مثل “رابطة مسلمي عموم الهند”. تدخل هذه الجبهة انتخابات 2026 بروح نضالية لاستعادة مكانتها، مركزة في خطابها السياسي على قضايا الشفافية المالية، ومحاربة البطالة التي يعاني منها الشباب رغم جودة التعليم، ومنتقدةً ما تصفه بـ “المديونية العالية” التي وصلت إليها الولاية نتيجة السياسات المالية للحكومة الحالية. وتراهن الجبهة الديمقراطية على رغبة الناخب في التغيير الدوري الذي كان سمة ثابتة للولاية لفترات طويلة.
ولا يمكن قراءة انتخابات 2026 دون الإشارة إلى الدور المتنامي لـ “التحالف الوطني الديمقراطي” (NDA) بقيادة حزب “بهاراتيا جاناتا” (BJP). فرغم أن الولاية ظلت تاريخياً عصية على الاختراق الأيديولوجي لهذا التيار اليميني، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة مطردة في حصته من الأصوات. ويسعى التحالف الوطني لتقديم نفسه كبديل ثالث يكسر الثنائية التقليدية، مستفيداً من الزخم القومي للحكومة المركزية في نيودلهي ومحاولاً كسب ود فئات اجتماعية معينة من خلال التركيز على قضايا الهوية والتنمية المركزية.
إن القضايا التي تشغل ذهن الناخب في هذه الدورة الانتخابية متعددة ومعقدة. يأتي في مقدمتها ملف “الهوية واللغة”، حيث تتجه الأنظار نحو الإجراءات الرسمية لتغيير اسم الولاية إلى “كيرالام”، وهو المسمى الأصلي باللغة الماليالامية، مما يعزز الشعور بالاعتزاز الثقافي. كما تفرض التحديات البيئية نفسها بقوة؛ فمع تزايد الفيضانات والانهيارات الأرضية الناتجة عن التغير المناخي، أصبح الناخب يبحث عن برامج تنموية مستدامة تحمي البيئة دون تعطيل سبل العيش. إضافة إلى ذلك، يظل ملف المغتربين (Non-Resident Keralites) محورياً، حيث تلعب التحويلات المالية من الخارج دوراً حاسماً في اقتصاد الولاية، ويبحث هؤلاء دائماً عن سياسات تضمن لهم ولعائلاتهم الحماية والاستقرار عند العودة.
من الناحية اللوجستية، أعدت لجنة الانتخابات الهندية خارطة طريق دقيقة لضمان نزاهة العملية وشفافيتها. سيتوجه ملايين الناخبين إلى مراكز الاقتراع في مرحلة واحدة يوم 9 أبريل، ليتم فرز الأصوات وإعلان النتائج في الرابع من مايو 2026. هذه الفترة الفاصلة ستكون حافلة بالحملات الدعائية المكثفة، والمناظرات التلفزيونية التي تتميز في كيرالا بمستوى فكري عالٍ، واشتباكات سياسية في الساحات العامة تعكس حيوية المجتمع المدني.
في الختام، تمثل انتخابات كيرالا 2026 لحظة فارقة في تاريخ الولاية المعاصر. هل سيستمر الناخب في دعم النهج اليساري لولاية ثالثة، أم سيعود إلى “سنة التداول” ليمنح فرصة للمؤتمر وحلفائه؟ أم أن القوة الثالثة ستحدث زلزالاً يغير موازين القوى؟ أياً كانت النتيجة، فإن الرابح الأكبر هو الديمقراطية الهندية، حيث تظل كيرالا منارة للوعي السياسي، تبرهن دائماً أن صوت المواطن المتعلم هو المحرك الحقيقي للتغيير والبناء الوطني.


