اقلام حرةالرئيسيةمقالات

الصوم ليس مائدةً تُصوَّر… بل مائدةُ ضميرٍ تُبنى.

فاطمة ابوواصل اغبارية

أيُّ رمضانٍ هذا الذي صنعتموه؟ رمضانُ العدسات لا العبادات. رمضانُ “اللايك” لا “لبيك”. رمضانُ الموائد الممتدة… والقلوب المنكمشة. تتكدّس الأطباق كأننا في معركةٍ مع الجوع،

 اي رمضانٍ هذا الذي ننتظره لنستعرض ألوان الطعام، لا ألوان الرحمة؟

أيُّ شهرٍ هذا الذي تتحول فيه السفرة إلى مسرح، والهاتف إلى شاهد زور، والفقير إلى ظلٍّ خارج الكادر؟

رمضان ليس موسمَ تصوير. ليس مسابقةً لأطول مائدة ولا لأندر طبق.ليس مهرجانَ شراهةٍ مؤقتة بعد عامٍ من الادّعاء بأننا “محرومون”.

رمضان خُلُق. ,والصوم خُلُق. ومن لم يتهذّب خلقه، فما الذي صامه؟

نتباهى بالأصناف، وننسى أن في الأرض من يتمنى كسرة خبز.

نملأ الموائد حتى التخمة، ثم نملأ حاويات القمامة بما فاض عن شهواتنا.

وفي الزوايا البعيدة، بطونٌ تتلوّى، وأطفالٌ ينامون على وعدِ رغيف. أنّ الجوع الحقيقي يسكن بيوتًا لا تملك ثمن صورةٍ واحدة من صوركم.

عن أيِّ جوعٍ نتحدث ونحن نصنع جوعاً آخر؟

عن أيِّ شعورٍ بالفقراء نتحدث وصور موائدنا تلسع قلوبهم قبل أعينهم؟

هل صار الصوم انتظارَ المغرب لنأكل ما لذّ وطاب؟

أم كان مدرسةً لنتعلّم كيف نكفّ، كيف نشعر، كيف نعدل؟

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾  الإسراف ليس ذنبَ فائض طعام فحسب، بل فائض غفلة.فائض أنانية. فائض قسوةٍ مغلّفةٍ بطبَقٍ فخم. رمضان لا يأتي لينقذنا من حرمانٍ مادي،بل ليحرّرنا من عبودية الشهوة. ليعيد ترتيب البوصلة.ليذكّرنا أن الصوم ليس امتناع المعدة فقط، بل امتناع اللسان عن الأذى،وامتناع العين عن التفاخر،وامتناع اليد عن التبذير.

هل سيُقبل صيامنا ونحن نحوله إلى استعراض؟

هل يُرفع عملٌ غاب عنه الإخلاص وحضرت فيه الكاميرا؟

هل نشعر حقاً بمعاناة غيرنا، أم نستعير هذا الشعور ساعة دعاء ثم نغلقه مع إغلاق التطبيق؟

لقد أضعنا روح الشهر حين حوّلناه إلى مناسبة استهلاكية.

أضعنا خُلُق رمضان حين صرنا نقيس البركة بعدد الأطباق لا بعدد القلوب التي أشبعناها.

رمضان ليس بطناً ممتلئة،

بل قلباً ممتلئاً.ليس مائدةً عامرةً وحدها، بل مائدةً يتّسع ظلّها لفقيرٍ قبل الغني. فكفّوا عن سؤال: ماذا سنأكل في رمضان؟واسألوا: من سيأكل معنا؟ وكيف نخرج من الشهر أخفَّ شهوةً… وأثقلَ إنسانية؟

عن أيِّ رمضانٍ تتحدثون

إذا لم يكن رمضان الذي يربّي فينا الرحمة قبل الشهية،

والعدل قبل العادة، والخلق قبل الطبق

هناك تُعرض الحقيقة… لا على الطاولات المزيّنة.

رمضان الذي نزل فيه القرآن الكريم ليقيم ميزان العدل في النفوس،

حوّلتموه إلى ميزانٍ لعدد الأطباق وعدد المشاهدات.

تقرؤون: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾… ثم تُسرفون باسم الكرم.

والكرم براءٌ من التخمة،

كما البراءة بعيدةٌ عن التباهي.

أليس عجيبًا أن نزداد في رمضان شراهةً لا شفقة؟

أن نُرهق الأسواق، ونُتعب الطهاة، ونملأ البيوت بما يفوق الحاجة،

ثم نزعم أننا “نشعر” بالجائعين؟

الجائع لا يحتاج شعوركم…

يحتاج ما أضعتموه في الفضلات.

أيُّ صومٍ هذا الذي لا يردع يدًا عن هدر،

ولا يردع لسانًا عن استعراض،

ولا يردع قلبًا عن قسوةٍ مموّهةٍ بالبهارات؟

نصوم عن لقمةٍ ساعات،

ثم ننتقم من المائدة عند الأذان.

كأن النهار خصمٌ نثأر منه عند المغرب.

أهذا صومٌ أم هدنةُ شهية؟

الحقيقة المُرّة؟

لسنا محرومين طوال العام…

بل نحن أسرى وفرةٍ لا نحسن إدارتها.

ورمضان لم يأتِ ليمنحنا رخصةَ إسرافٍ موسمية،

بل ليكسر سلاسل الإفراط.

لقد صار الشهر عند بعضنا مشروعَ تصوير،

وبرنامجَ طبخٍ يومي،

ومعرضَ أطباقٍ متنقّل.

وغاب السؤال الأهم:

من أطعمنا اليوم؟

من سترنا؟

من يستحق أن نطرق بابه بطبقٍ صامتٍ لا بصورةٍ صاخبة؟

الصوم خُلُق.

فإن لم يزدد خُلُقُنا… فما الذي ازداد؟

إن لم نقلّل… فما الذي تعلّمنا؟

إن لم نُشبع جائعًا… فكيف نزعم أننا فهمنا معنى الجوع؟

عن أيِّ رمضانٍ تتحدثون

ورمضان الحقيقي لا يُقاس بما على المائدة،

بل بما سقط من الأنانية في قلوبنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى