
في عالمٍ يتقن الناس فيه لغة الجدال أكثر من لغة الاعتذار، يصبح التسامح فعل شجاعة لا ضعفًا، وفضيلة لا تُتقنها إلا القلوب الكبيرة.
لسنا ملائكة، وكلنا نخطئ. لكن الفرق بين إنسانٍ وآخر ليس في عدد الأخطاء، بل في قدرته على الاعتراف بها. الاعتذار ليس انكسارًا للكرامة، بل ترميمٌ لها. هو إعلان نضج، ودليل وعي، وبرهان على أن الإنسان يقدّم العلاقة على كبريائه.
التسامح لا يعني أن ننسى الألم، بل أن نُحرّر أنفسنا من قيوده. أن نختار السلام الداخلي بدل الاحتفاظ بغضبٍ يستهلك أعمارنا بصمت. فالحقد نارٌ لا تحرق إلا صاحبها، أما التسامح فهو ماءٌ يطفئها قبل أن تمتدّ.
ولغة الاعتذار ليست كلماتٍ عابرة نقولها لإغلاق نقاش، بل شعورٌ صادق يُترجم إلى مسؤولية. حين أقول “أنا أخطأت”، فأنا لا أُصغّر نفسي، بل أُكبر إنسانيتي. الاعتذار الصادق يُعيد بناء الثقة، ويمنح العلاقات فرصة جديدة للحياة.
كم من علاقةٍ انتهت لأن أحد الطرفين فضّل الصمت على الاعتذار؟
وكم من قلبٍ بقي مثقلًا لأنه لم يسمع كلمة “سامحني” في الوقت المناسب؟
التسامح لا يُلغي العدالة، لكنه يُعيد التوازن للروح. والاعتذار لا يمحو الماضي، لكنه يُمهّد لمستقبلٍ أنقى.
فلنتعلم أن نقول “آسف” دون خوف، وأن نقول “سامحتك” دون تردد.
فبين هاتين الكلمتين يولد السلام… وتستعيد الإنسانية معناها.
د.منى النحلاوي



