” غَسَّان ” الطيّب / مارسيل خليفة

في وعود العاصفة اتسّع له الرحيل عن بلاد جبيل . سار حينها فوق الحصى عند منحدر الوادي ، في ليل ريح طائشة هَوَت من عصفها الأشياء .
قَحْطٌ يخدش حِسّه المرهف ، وشططٌ غزير يُمضُّه وتخشاه عيناه . ورؤى حامضةٌ : من تعب الترحال في مدًى للروح فيبيح قطعه ، من حيث لم تدرِ قدماه .
لا مهنة لقلبه غير الحب . وحبّه غامر ، والمحبوبون كثر بعدد من حَمَلَ منجلاً ومطرقة . يلوذ بصمتٍ مديد نسمعه في دقّات نبضه .
إلى القلب أعاد المعنى ، يَخفق طرِباً بمن يُحبّ . وله ما يغنيه عن انتظار ما لا يأتي في طريق الشقاء طريقه إلى بلد ” الإشعاع والنور ”
كان واقعيّاً كشمس منتصف النهار يُكثر من الكياسة عند الشدائد وانقلاب الأحوال كلمّا شبّت على جنبات الوطن نار الحروب الحائرة .
إلى مطرٍ لم ينزل ، وغدٍ لم يُقبِل علمنا كيف نربّي اليقين على التواضع ، واصطحاب الشك في طريقنا .
إلى سلام مع النفس تطلّع وطال انتظاره . لا جاه يُغريه ، ولا منصب .
إلى هديل الحمام أهدى صهيله ليوقظ الهديل من رقدة الشتاء الطويلة .
إلى ما علِم صوّب سهم السؤال عن مقدار ما لديه من يقين .
هو القليل في كثْرة ، وهو الكثير في ما يَقِلّ .
هو السحاب السّابح في فلكٍ يغمره الدخان .
لا تكفي الكلمات لتصنع من مادة الكلام صورته ، ولكن فيض المفردات على المعنى يُشبه خاتمة رواية .
في الغياب قسوة ينوء بها الوجد ، ويبوء لها الحزن الذّريع .
سلام عليك أيها الذي لم يعبر القلب إلا ليقيم خيامه في الشفاف .
سلام عليك أيها الذي تهجّر من حيّنا الصغير إلى تلك الضفاف .
على ذكراك عطر الصباح الشتائي ، ورسائل الحب ، وباقة من زهرة لَيْلَك الفيدار وما تَرَكتْ من معنىً يكبر في النفس فلا يُقال أو يُدرك .
الرفيق الطيّب غسان صليبا في القلب .



