
تجيد يافا مخاطبة صمتي الموارب وراء العاديّ والرتابة. تعرف كيف تجرّني نحوها .. نحو “جرعة” ضرورية منها بحرفيّة عالية إذ يكفي اتصال واحد منها: إسلاااك متى تأتين؟ حتّى أنصاع طوعا لنبرها الطفولي. تفتح ذراعيّها نحوي وتركض ما إن تلمح حقيبة السفر عند مدخل البيت . من علّم هذه الطفلة ذات السنوات الخمس أنّ عناقا حارّا بريئاً من يديّها الصغيرتين في مقدوره أن يبدّد عنّي تعب السفر الذي لا ينتهي والشّعور بالخيبة المتكلّس في قاع القلب مثل البنّ في فنجان قهوة مهمل؟ مِن أين لطفلة صغيرة هذا العطاء الكبير بحجم السّماء؟ بل أوسع من كلّ السماوات والأرض وما بينهما !
تعرف يافا كيف تسحب منّي الابتسامات والدّموع والاعترافات على حدّ السّواء حتّى أكاد أنسى في أحايين كثيرة أنّها طفلة ! تركض نحو غرفتها بينما مازلت أضع أمتعتي في مدخل البيت لتأتيني بظرف صغير أزرق اللّون عليه اسمها مغلّف بأناقة سيّدة البيت الذوّاقة وتكتفي بالقول – بينما تكبت ابتسامتها الخجولة – إنّها هدية لنا – ولنا في قاموس يافا تعني أنا والشريك الذي اختاره قلبي وأحبّه بالنّدية ذاتها قلبها – أفتحه وأنا أسترق النظر إلى عينيّها المتوثبتين نحوي لأجد لوحة أخّاذة من صنع يديّها : لوحة من قلبيْن وبلونين اختارتهما لنا . حفرت على قفا اللّوحة اسمها مثل رسّام عتيقٍ . سألتها عن القلب المصنوع من أجلي وعن القلب الذي يفترض أن يكون من أجله ! ضحكت – فنباهتها تسقط أمامها مكر سؤالي – أردف قائلة: سيفرح الشريك السعيد بكِ بلوحتكِ! سأخبره عنها في الزيارة القادمة !
هنا تبرق عيناها وتشعر بالانتصار . تعلّمني يافا كيف أنتزع لحظات انتصار معكوسة في لوحة لا تكتفي فقط برسمها بل تختار معي موضع تعليقها في البيت .. بيتنا الذي تصرّ على تذكيري بنون الجماعة فيه إجلالا لوحدة المصير واجتراحا لمعاني الأمل والصبر !
لا يعرف قاموس يافا اليأس أو الهزيمة. كلّ شيء معها قابل للقبول !
ويافا تعوّض أمومتي المؤجلة والمعطوبة على حدّ السّواء عندما تشعرني بأنّني جديرة بالنجاح بينما تغنّي مساء تهليلة فلسطينية التقطتها من فرط ما غنيّتها لها.
وتعوّضني يافا عن كلّ العالم فلا أعود في حاجة إلى الحديث مع أي أحدٍ إذ تحقّق هي المعادلة الصعبة: براءة في عالم قبيح وقوّة في عالم يهلك
هكذا يمكنني أن أتفادى الوجوه الكثيرة المخشوشنة بصيرتها.
فهل أجمل من يديْن لم تنسيا لوحة لعيد الحبّ؟ من علّم هذه الأميرة أن تنوب الأمير الأسير فتهديني لوحة باسمه؟
حبيبتي يافا : كلّ عيد ونحن “أسرى” حبّكِ
كلّ عيد وأنتِ معنا
في انتظار الحريّة دوما لنقبّلكِ معًا


